» الفهرست

» استقلال الخير
» استكثار الشرّ
» هل يصدر الشرّ من الإمام ليستكثره؟!
» دوام الطاعة
» قصة الابتلاء وعبرة الإجابة
» اقتناص الفرصة


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.*

«واستقلال الخير؛ وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر؛ وإنّ قلّ من قولي وفعلي، وأكملْ ذلك لي بدوام الطاعة...».


:. استقلال الخير

يطلب الإمام زين العابدين سلام الله عليه من الله تعالى، ويعلّمنا أيضاً أن نطلب منه عزّ وجلّ أن يخلق في نفوسنا الوعي والشعور باستقلال ما يصدر منّا من الخير، فلا نستكثره فنتوقّف عنده، وإنّما نستعينه تبارك وتعالى ليكرّس فينا الإصرار الدائم على ممارسة الأعمال والأقوال الصالحة، لنكون بمثابة شعلة دائمة التوهج، عميمة النور، شديدة الإضاءة تزداد تألّقاً بمرور الزمن، وكذلك نطلب من الله المنعمِ سبحانه، أن يخلق في ذواتنا الشعور الدائم باستكثار ما يصدر عنا من أعمال وأقوال طالحة، أي أن يحوّل ذواتنا عبر ما نصمّم ونعزم إلى ذواتٍ تكره الشرّ بكلّ صوره وتستعظمه.

وهذا الشعور إنما ينبغي أن ينبع من إدراك الإنسان بأنّ ما يقدّمه من الصالحات ـ على فرض كونها صالحات حقّاً، ومتوفّرة على الشروط اللازمة للصلاح من إخلاص وعزيمة ـ إنما هو في حقيقته قليل، بل لا قيمة له في واقع الأمر، إذا ما قورن بنعم الله تعالى، التي أنعم بها عليه، حيث خلقه ومنحه الفرصة في إثبات وجوده واجتياز امتحانه الذي يفترض فيه أن يكون قد أتمّه بنجاح. حقاً كم ستبدو تلكم الصالحات ضئيلة إذا ما قورنت بأبسط النعم التي يمطر الخالق بها مخلوقه، وكلّها عظيمة وجليلة في واقعها، هذا فضلاً عن استحالة مقارنتها بالرضا الإلهي والنعيم الأبدي الخالد في الدار الآخرة، الذي أعدّه الله تعالى لعباده.

فإذا اعتبرنا أعمالنا الصالحة ثمناً ونعمَ الله تعالى علينا مثمناً، لراعنا بخس الثمن وعظم قدر المثمن!
هذا وإن الإنسان يجد كلّ أعمال الخير التي تصدر عنه لا شيء في مقابل استغناء الله تعالى عن العالمين.
ولا شك أن ابن آدم إذا ما استطاع السير في طريق استقلال الخير واستكثار الشر، فإنه سيصل إلى واقع آخر، وهو شعوره المتجدد بالتقصير والعبودية في آن واحد أمام ربه العزيز الجبار، فيتعلّق حينئذ به ليحقق شيئاً من السموّ والكرامة الحقيقية، ليصل إلى أعلى مقام يمكن أن يصله العبد، كما تحقق ذلك للأولياء والصالحين ممن أنعم الله عليهم وأكرمهم بكرامة القرب منه.


:. استكثار الشرّ

أما المطلب الثاني الذي يتقدّم به الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام إلى ربه الكريم، ويعلّمنا ويرشدنا لأن نحذو حذوه، فهو الطلب من الله تعالى أن يخلق فينا الشعور باستكثار ما يصدر عنا من أعمال وأقوال ومعتقدات شرّيرة، ليكون هذا الشعور رادعاً يحول دون تمادينا بالانغماس في باطل الحياة الذي يؤول بابن آدم إلى عقاب الله وعذابه الشديد.
فأنت حينما تطلب من ربّك العزيز أن يحملك على استكثار الشرّ، وإن قلّ، فإنما يعكس ذلك الإصرار منك على استقباح الشرّ والباطل، لتتكون فيك فيما بعد ملكةٌ تنفّرك عنه وتكرّهه لديك، ولترقى إذ ذاك إلى رحاب العدالة التي من شأنها أن تقي ابن آدم عن ارتكاب الشرّ بكلّ صوره.

ولعل هذه الحالة النورانية قد بلغت ببعض الأولياء والصالحين إلى طيّ المسافات بعد تجشّم العقبات ليبلغوا عند عتبات العصمة التي تمثّل الذروة فيما يمكن للإنسان العادي ـ من غير النبي والإمام ـ أن يبلغها، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن مرتكب الشر والجريرة ينبغي له أن يعلم بأنه بتصرّفه هذا إنما يتصرّف فيما لا ملك حقيقي له عليه، باعتبار أن الله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي للخلق ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾(1). فنفس الإنسان وكيانه ووجوده ملك صرف لله تعالى وحده، وهذا الملك صائر وراجع إليه دون سواه، وعليه؛ فابن آدم مدعوّ إلى مراجعة نفسه ومحاكمتها على ما ارتكبته من شرّ فيما لا تملك؛ إذ ارتكاب الشرّ يعني ـ جملةً وتفصيلاً ـ تجاوزاً وانتهاكاً لحرمة الخالق وسلطته على مخلوقاته، وأعني بالمخلوقاتِ الإنسانَ نفسه، وسائر ما يحيط به، ولا تخرج الجريرة المرتكبة عن نطاق كيان هذا الإنسان وحدود ما يحيط به.

ولذلك فإن الذنب مهما تضاءل في نظر صاحبه، فهو كبير في مقياس العدل الإلهي، هذا فضلاً عن كونه يعدّ استخفافاً بالقيم يجرّ ـ لا محالة ـ إلى استسهال اقتراف الجريرة، وبالتالي سيرى الإنسان نفسه أداة طيّعة في عموم حالة الإجرام وممارسة الجريرة.
والأمر المفترض بالإنسان أن يقطع الطريق منذ البداية على وساوس نفسه وما يملي له الشيطان، لئلا يقع فيما لا يحمد عقباه، فينبغي ـ والحال هذه ـ أن يستشعر فداحة ما يصدر عنه من الأخطاء التي منعه الشارع المقدس عن الوقوع فيها.


:. هل يصدر الشرّ من الإمام ليستكثره؟!

لقد ثبت بالأدلة النقلية والعقلية القطعية عصمة أئمة آل البيت عليهم الصلاة والسلام ومنهم الإمام زين العابدين سلام الله عليه، ومما لا شك فيه عدم صدور الشرّ من الإمام، بل صرح به كثير من العلماء والفقهاء، ومنهم سماحة السيد الأخ(2) أعلى الله درجاته، في قوله: بأن الإمام السجّاد سلام الله عليه ـ شأنه شأن سائر أهل البيت صلوات الله عليهم ـ لا يصدر عنه ترك الأولى، فضلاً عن ارتكابه الشر والعياذ بالله (3).

أما طلبه سلام الله عليه من الله تعالى في أن يدفعه إلى استكثار الشرّ، وأن يكرّس فيه حالة استقباح الباطل وكرهه له، فينبغي النظر إليه من زاوايا أخرى بمنظار واسع غير ما يوحيه ظاهر العبارة.
وأولى تلك الزوايا، هي أن الإمام السجاد سلام الله عليه يهدف إلى إرشاد وتوجيه المؤمنين إلى أن يطلبوا من ربّهم ذلك؛ وكأنّه في هذا المقام يوحي إلى قارئي هذا النصّ الشريف بضرورة الانتباه وتمييز الحالات النفسية التي تتموّج في ذات كلّ إنسان لدى ممارسته لعمل الخير أو الشرّ، كما تقدّمت الإشارة إليها.
وثانية الزوايا أن مفهوم الشرّ ومصداقه يختلف باختلاف الظرف، تماماً كما هو الشأن في مفهوم الخير ومصداقه.

فصدور الحكمة ـ باعتبارها مصداقاً من مصاديق الخير ـ عن العالم الفقيه، يعدّ أمراً طبيعياً، لأن ذلك من مهمّة العالم، ولا يتوقّع صدور ما ينافيها عنه، أمّا صدورها عن الشخص البسيط فيعدّ أمراً ملفتاً للنظر، يشار إليه بالبنان.
كذلك الغنيّ إذا ما تصدّق ـ باعتبار الصدقة مصداقاً من مصاديق الخير ـ بدينار، فذاك ممّا لا يعدّ منه شيئاً عجيباً، إذ هو يملك من المال الوفير ما ينفي حاجته إلى الدينار الذي تصدّق به، أمّا الفقير المحتاج إلى ما يسدّ رمقه، إذا صادف أن وقع بين يديه دينار، ثم قام بالتصدّق به على فقير مثله، فإنّ عمله هذا يأخذ بعداً إيجابياً أوسع، بل لعل الله يثيبه بما لا يثيب به الغنيّ، لأن الأخير قد تصدّق وتوقّف عند هذا الحدّ وهو يعلم أنه لن يسوءه، أما الفقير فقد تصدّق بالدينار مع حاجته الماسّة إليه، فيكون بذلك قد أضاف إلى ممارسة عمله الخيّر هذا عملاً آخر، وهو الإيثار، الذي يعدّ من أشرف الأعمال وأعظمها ثواباً.

وما قيل في مفهوم الخير ومصداقه يمكن قوله في مفهوم الشر ومصداقه، إذ قد يصدر عن عالم مطلع على طبيعة الشرّ وأبعاده وعواقبه، وقد يصدر عن جاهل لا يعي عواقب ما يصدر من شرّ، ولذلك فإن الله سبحانه تعالى يغفر للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً ـ كما في الأثر(4). كما لا يخفى أن الثواب الذي يمنحه الله للعالم على عمل الخير أكبر مما يتفضّل به على الجاهل، والحال أن العمل هو نفسه غير أن مفهومه ومصداقه قد تغيّر.

وثالثة الزوايا أن الإمام عليه الصلاة والسلام إنما يخاطب الربّ الجليل الخالق، بلسان الإنسان كمخلوق لا تنفكّ عنه لوازم المخلوقية، ومنها العجز، فإن المعصوم وإن كان أعلى من غيره بفاصلة غير متصوّرة، ولكن هذه الفاصلة رغم عدم إمكان تصوّرها تبقى دون الفاصلة اللامحدودة بين الخالق والمخلوق. فمن لوازم المخلوق العجز والمرض، والإرهاق والتعب، ولقد جاء في رواية سماعة أن الإمام الصادق سلام الله عليه قد حال المرض بينه وبين الصوم لمدة ثلاث رمضانات متتالية لم يصم فيهنّ ثم أدرك رمضاناً فتصدّق بدل كلّ يوم مما مضى بمدّ من الطعام ثم عافاه الله تعالى وصامهنّ(5). فهو سلام الله عليه يشعر في مثل هذه الحالة بالتقصير وإن رُفع عنه التكليف بسبب مرضه.

وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلاً، نقول:
إذا سيطرت عليك رغبة عارمة وطموح جامح لرؤية إمام العصر؛ الحجة المنتظر عجّل الله تعالى ظهوره، ولو لدقيقة واحدة، ثم بحثت عن وسيلة وطريقة تحقّق لك رغبتك وطموحك، فقيل لك: إن وسيلة ذلك أن تعمد إلى ممارسة أنواع خاصة من العبادة بواسطتها يستجيب الله تعالى لطلبك في رؤية الإمام سلام الله عليه، وفعلاً بدأت بممارسة تلك العبادة والأعمال الخيّرة، ولكنك لم توفّق إلى ذلك، فأعدت الكرّة، واستغرق منك الأمر أشهراً وسنين مديدة، ولم تفتر فيها عزيمتك أو تخمد رغبتك، ثم صادف أن ابتليت بمرض عضال أقعدك عن القيام ورأيت نفسك مجبراً على الاستلقاء في فراش المرض دون أن تستطيع تحريك ساقيك. وفي تلك الأثناء، ظهر لك من كنت تتمنّى رؤيته ولو لدقيقة واحدة، وكنت على يقين بأن هذه الرؤية ستضمن لك سعادة الدارين الدنيا والآخرة، فأردت أن تُظهر له مقدار حبّك وإجلالك له والتعبير عن مدى شوقك إليه، فعزمت على القيام، فعجزت، وأردت أن تجمع قدميك احتراماً له، فلم تقدر، إذ ذاك تقوم بالاعتذار إليه، معتبراً قصورك هذا تقصيراً بحقّه وبرفيع منزلته، فالعجز من جانبك، والاستحقاق من جانبه، الأمر الذي من شأنه أن يقرّبك إلى ولي الله الأعظم أرواحنا فداه.

نعم؛ فالمعصوم لا يخرج عن كونه إنساناً، علم الله منه النزاهة والإخلاص والتقوى، فزاده من فضله ضمن قوانين كتبها هو سبحانه وتعالى على نفسه، كما كتب على نفسه الرحمة من قبل.
وليس أعظم من نعمة العصمة التي أنعم بها الله تعالى على هذا الإنسان، فأصبح نبيّاً أو إماماً، ولذلك فهي ـ نعمة العصمة ـ تستوجب المزيد من الخضوع له تبارك اسمه، كما تستوجب على المعصوم تحمّل عدم قدرة الإنسان على استيعاب الفاصلة اللامحدودة بين الخالق والمخلوق، وعدم وجود عبادة قادرة على تضييق هوة هذه الفاصلة.
ولذا فمن مصاديق ما كان المعصوم يعتبره شرّاً رغم إعماله وفق حكم الأعذار الشرعية ما روي في الخبر المتقدّم عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه أنه قد مرض لمدة ثلاث رمضانات عجز فيهن عن أداء فريضة الصوم عجزاً مطلقاً.


:. دوام الطاعة

يوضح الإمام السجاد سلام الله عليه بقوله الكريم: «وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة» أن التمكن من استقلال الخير واستكثار الشر تتوقّف ثمرتهما على دوام الطاعة، إذ من غير الصحيح توقّف ابن آدم عند حدٍّ من الحدود في كدحه إلى ربّه جلّ ثناؤه، بل المفترض به أن يسأل ربّه ثم يعزم على ممارسة الطاعة بصورة دائمة، وإن كانت هذه الطاعة قليلة، فقد ورد في الأثر: قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول(6)، والمرء إذا تعوّد فعل الخير القليل، تاق الى أكثَرَ منه، لما سيشعر بذلك من اللذة، وبما سيتكرّس لديه من الرغبة في الحصول على الجزاء الأوفى.


:. قصة الابتلاء وعبرة الإجابة

وقد نقل لي من أثق به عمن أعرفه - وقد توفّاه الله سبحانه - أنه كان بصدد تأليف كتاب خاصّ بالدفاع عن مقام أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وإثبات حقّهم، فانشغل بجمع المصادر، حتى أوقفته الحاجة إلى أحد الكتب المهمة، فبحث عنه بحثاً أضناه وأرهقه، ولكنه لم يوفَّق في العثور عليه، مما اضطره في الذهاب إلى مرقد أمير المؤمنين سلام الله عليه والتوسّل إليه في أن يهيّئ له وسيلة العثور عليه، وطال توسّله أشهراً، وهو خلال ذلك لم يكلّ أو يملّ من البحث عنه في المكتبات.

قال: وذات يوم حيث كنت قرب الضريح الطاهر للإمام صلوات الله عليه، واضعاً عباءتي على رأسي، منشغلاً بالدعاء إلى الله تعالى والتوسل بالإمام ليرشدني إلى ضالّتي، رأيت في الجبهة المقابلة من الضريح رجلاً قروياً يكثر في الإلحاح على الإمام في أن يجيبه لما يريد ويطلب منه حاجته ضمن كلمات حادّة تنمّ عن تهديده بعزمه على عدم زيارة الإمام سلام الله عليه أبداً في حال لم يستجب له!!
قال: فتأثّرت لذلك المشهد كثيراً، وهالني هذا الأسلوب الفضّ في التكلّم مع سيد الأوصياء وأمير المؤمنين، وأردت أن أعاتب الرجل وأؤنّبه عما بدر منه، ولكني أحجمت عن ذلك وقلت في نفسي إن الإمام سلام الله عليه قد سمع ما قاله الرجل، وهو كفيل بردّه أو مسامحته!
ثم عدت بعد أسبوع من هذه القضية، وبينما كنت مستمرّاً في توسّلي بالإمام سلام الله عليه ليدلّني على ما سألته سابقاً، إذ رأيت الرجل القرويّ نفسه وقد بدت عليه أمارات السرور، وهو يكيل للإمام عبارات المدح والثناء بأسلوبه الخاص، وكأنّ الإمام قد قضى له بإذن الله حاجته. فاستعظمت الأمر في نفسي، وتعجّبت من سرعة الإجابة لهذا الرجل القرويّ في شأن من شؤون الدنيا، بينما أتعرّض للإهمال وأنا الذي قد نويت الدفاع عن حقّ أهل البيت سلام الله عليهم.

ثم عدت إلى البيت ولم أتناول الطعام وقد هجرني النوم واضطربت لذلك اضطراباً شديداً.
وحينما أصبح الصباح وجلست إلى أوراقي لكي أكتب شيئاً، والضجر يملأني، جاءني ابني ليقول لي: بأن رجلاً ـ كان جاراً لنا قديماً حيث كنا نسكن في منطقة أخرى ـ يريد رؤيتي. فأمرته بأن يسمح له بالصعود إلى غرفتي.
وحينما استقرّ به المكان قال لي: إن سبب زيارتي لكم هو أننا انتقلنا إلى بيت آخر، قبيل انتقالنا وحين انشغالنا بتنظيف البيت رفعتُ ولدي إلى أحد الرفوف لينظّفه، ففعل ذلك، وعندما نزل، نزل بكتاب قديم وجده هناك، ولما كنت لا أعرف القراءة والكتابة رأيت أن آمره بوضعه في مسجد المنطقة ليستفيد منه الآخرون، ولكنني غيّرت رأيي حينما تذكّرتك وقرّرت أن آتيك به دون غيرك.

قال: فتناولت منه الكتب وفتحته، فرأيته نفس الكتاب الذي استغرقت في البحث عنه أكثر من ستة أشهر، فأسقط في يدي، وتأكّدت من استجابة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه لطلبي، ولكن بعد مدة.
ولابدّ لسائل أن يسأل عن السبب في تأخير الإستجابة، خصوصاً والإمام قادر – بإذن الله تعالى - على الإجابة الفورية لكل سائل من سائليه أو المتوسّلين به إلى الله تعالى، لاسيما وأن الرجل قد رأى مقدار السرعة في استجابة الإمام لطلب ذلك القرويّ، رغم ما بدر منه من عبارات غير لائقة؟!

فلا نجد من الإجابة الشافية سوى التذكير بقول الله تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون﴾(7) بمعنى أن لكل امرئٍ امتحانه وبلاءه ليثبت جدارته ويرفع من منزلته عبر الاستمرار في الطاعة والإلحاح في الدعاء الذي هو عبارة عن وسيلة لتوطيد علاقة العبد بالمعبود من ناحية، وأخرى لكي يشمل المعبود عبده بمزيد من العطف والرحمة ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾(8).


:. اقتناص الفرصة

ومن هنا؛ نشير إلى ضرورة اقتناص الفرص الطيبة للاستزادة من العبادة والطاعة، لاسيما في أيام شهر رجب الأصب وشهر شعبان المعظم وشهر رمضان المبارك، ليكرّس فيها المرء كلّ ما يملك من قوة لوعي العبادة وممارستها حقّ الممارسة، بالإضافة إلى مواصلة مهمّة محاسبة النفس، كما أمرت بذلك الأحاديث والروايات الشريفة التي نقلها كبار علمائنا في كتبهم.
فقد ورد عن أهل البيت صلوات الله عليهم أن الله الكريم الوهاب يجزي عامل الصالحات والمحاسب لنفسه من الجزاء - خاصة في هذه الأشهر، ومنها رجب الأصب «الذي تُصبُّ فيه الرحمة والبركة على رؤوس العباد صبّاً»(9) - ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ(10).

ثم إن الورع عن محارم الله ـ وما يستدعي ذلك من معرفة المحرمات واجتنابها ـ من الأمور الموصى بها في هذه الأشهر خاصة، الأمر الذي يشدّد فيه على وجوب الاستمرار في أداء الطاعات، ليقلّل فاعلها من احتمال أو نسبة الحسرة على نفسه أمام الله تعالى وأهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام في يوم القيامة بعد ما يرى ما سيناله المتّقون مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهذا كلّه موكول للخروج من الامتحان الإلهي بنجاح.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا، ـ خاصّة في هذه الأشهر الثلاثة المباركة ـ للطاعة ودوامها.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


* اُلقيت المحاضرة بتاريخ 1/ رجب/ 1422 هـ .
(1) البقرة/ 156.
(2) سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي رحمه الله.
(3) قد يقال إن طلب الإمام السجاد سلام الله عليه هذا من قبيل القضية أو الجملة الشرطية، التي تكون صادقة حتى مع عدم صدق الطرفين ـ الشرط والمشروط ـ واحتمالهما للتلبس بما يفرض محالاً. وقد وردت في القرآن الكريم نماذج عديدة في هذا المنحى، حيث قال تعالى اسمه: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ (الزخرف: 81) والحال أنه لا ولدَ لله تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا، ولا الرسول كان أوّل عابد لمثل هذا الإله. أو كما يقول القائل: إذا جاء زيد فأكرمه، والحال أن زيداً ـ مثلاً ـ عاجز عن المجيء، وأنت لن تكرمه البتة. أو قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾ (الحشر: 21) بينما الله لم يحمّل الجبل مسؤولية وأمانة حمل القرآن بإنزاله عليه، ولم يتصدّع الجبل.. ولكن المهمّ في الأمر هو وجود قضية شرطية يمكن أن يقال عنها أنها قضية مجرّدة تسبح في آفاق الذهن، ولا وجود لمصداق خارجي لها.
فمثل هذه العبارة إن صدرت عن معصوم ـ حيث يتمّ عبرها مخاطبة الربّ العلي الكبير – فإنما تدلّ على نوع من الاندكاك في ذات الله تعالى، الغرض منها طلب المزيد من القرب إليه سبحانه، لما يشعر به المعصوم ـ شعوراً نورانياً فذاً ـ من تقصيره أو قصوره في إمكانية ممارسة الأعمال والعبادة اللائقة بالربّ العزيز.
ولكن يمكن أن يقال أيضاً: إن الإمام سلام الله عليه لم يقيّد تعبيراته بالتقصير تجاه الله بالشرط دائماً؛ فهو سلام الله عليه يقول ضمن دعاء له: «خيرك إلينا نازل وشرّنا إليك صاعد» (الصحيفة السجادية: 214، رقم 116، ضمن دعائه سلام الله عليه في سحر كل ليلة من شهر رمضان) وإن كان يمكن توجيه العبارة كالتالي: عظمتك علينا مهيمنة، وعجزنا عن أداء حقّ عبادتك بما يليق بعظمتك إليك صاعد، فما يصدر منك هو الكمال المطلق، وما يصدر عنا هو العجز المطلق، وهذا العجز يعبّر عنه الإمام بكلمة الشرّ.
(4) انظر خاتمة المستدرك للنوري: 5/ 247 (ط. مؤسسة آل البيت عليهم السلام ـ قم)
(5) تهذيب الأحكام للطوسي: 4/ 251، ح21، باب 60 ـ من أسلم في شهر رمضان وحكم من بلغ الحلم فيه ومن مات وقد صام بعضه أو لم يصم منه شيئاً ـ .
(6) نهج البلاغة: 4/ 68، رقم 278.
(7) العنكبوت: 2.
(8) الفرقان: 77.
(9) روي عن ابي عبد الله سلام الله عليه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ... وسمّي شهر رجب الأصبّ، لأن الرحمة تصبّ على أمّتي فيه صبّاً. (الحدائق الناضرة للمحقق البحراني: 13/ 453).
(10) أمالي الصدوق: 279 ضمن ح1 مجلس 38.