بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *
«اللهمّ صلّ على محمّد وآله واجعل لي يداً على من ظلمني، ولساناً على من خاصمني، وظفراً بمن عاندني، وهب لي مكراً على من كايدني، وقدرة على من اضطهدني، وتكذيباً لمن قَصبني، وسلامة ممّن توعّدني، ووفّقني لطاعة من سدّدني ومتابعة من أرشدني».
في المقدّمة لابدّ من بيان الفرق بين الظلم والمخاصمة، ونذكر في المقام أمرين:
الأوّل: إنّ الظلم عادةً يكون من طرف واحد، أمّا المخاصمة فغالباً ما تكون بين طرفين.
أجل إنّ الخصومة القلبية قد ترد من طرف واحد، أمّا المخاصمة اللسانية فغالباً ما تكون بين طرفين؛ أحدهما يتكلّم والآخر يردّ عليه.
الثاني: إذا كان الظلم صادراً من الطرفين فهو ليس من موارد الدعاء، إذ لا معنى لأن يطلب أحد الظالمين من الله تعالى أن يهبه القدرة على الظالم الآخر؛ لأنّ الله تعالى لا يحبّ الظالمين.
وهذا المعنى غير متصوّر بالنسبة للإمام المعصوم سلام الله عليه الذي لا يرتكب ذنباً فكيف بالظلم وهو ذنب عظيم، فضلاً عن أن يطلب من الله تعالى مثل هذا الطلب، وهو يعلم أنّ الله تعالى لا ينصر ظالماً على ظالم لدعائه عليه(1)، بل يكون كلا الظالمَين القاتل والمقتول في النار، كما في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: «... قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: لأنّه أراد قتلاً» (2).
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول: إنّ الإمام سلام الله عليه طلب من الله تعالى أن يمنحه القوّة لدفع الظلم عنه – وهو ما يصدر عادةً من طرف واحد وهو الظالم – وكنّى عن القوّة هنا باليد، وحيث إنّ المخاصمة تكون بين طرفين يحاول كلّ منهما إفحام الآخر، فإنّ الإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى في هذه الحالة أن يمنحه القوّة التي تجعله متفوّقاً على خصمه وهي قوّة الردّ التي عبّر عنها باللسان.
هنا أيضاً ينبغي الالتفات بدءاً إلى نقطة مهمّة وهي: أنّه ليس كلّ إنسان منحرف عن الحقّ يُعدّ – في مقام الواقع – معانداً؛ إنّما المعاند هو الذي عرف الحقّ فزاغ عنه بإصرار؛ قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً﴾(3)؛ ولذلك نقرأ في دعاء الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه المعروف بدعاء كميل رحمه الله:«وأن تخلّد فيها المعاندين».
إنّ كثيراً من المنحرفين عن نهج أهل البيت سلام الله عليهم لم يكونوا سوى عاصين قد غرّرت بهم وغسلت أدمغتهم الدعايات المضلّلة والكاذبة لوعّاظ السلاطين ومن لفّ لفّهم فأعمتهم عن رؤية الحقّ بوضوح، لذلك نسمع عن كثيرين منهم ما إن اطّلعوا على الحقيقة حتّى سارعوا للإيمان بنهج أهل البيت سلام الله عليهم، وما أكثر القصص في هذا المجال والتي تنتهي بالمستبصر بترديد قول الله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾(4).
وما أكثر الذين بلغوا – من بين هؤلاء المستبصرين – مراحل عالية في الإيمان والعلم والتقوى والقرب من الله تعالى، حتّى تفوّقوا على كثير ممّن لم يكونوا منحرفين منذ البداية، وأفضل مثال على ذلك بعض شهداء كربلاء – الذين يقف الملايين أمام قبورهم إجلالاً وإكراماً قائلين: «بأبي أنتم وأُمّي» - إذ نجد أشخاصاً لم يكونوا من قبل على خطّ أهل البيت سلام الله عليهم؛ مثل زهير بن القين، الذي ذُكر في كتب السير أنّه كان عثماني الهوى، أي من الذين يتّهمون إمام الهدى علي بن أبي طالب سلام الله عليهما بالضلوع في قتل عثمان ويطالبونه بدمه! غير أنّ التاريخ أثبت أنّه لم يكن معانداً للحقّ وأنّ انحرافه لم يكن عن تقصير بل كان عن قصور، ولذلك تراه ما إن انكشفت له الحقيقة حتّى مال إلى ركب الحقّ وسار معهم حتّى الشهادة، فاستحقّ بهذا الفوز العظيم الذي حظي به شهداء كربلاء.
أمّا المعاند فهو الذي لا يرضخ للحقّ رغم معرفته به؛ قال تعالى في وصف علماء اليهود والنصارى المعاندين – الذين يعرفون الرسول صلّى الله عليه وآله ومع ذلك ينكرونه - : ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾(5).
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول:
أمام أشخاص كهؤلاء – ليسوا منحرفين فقط بل معاندين لا تجدي معهم الموعظة – يطلب الإمام السجّاد سلام الله عليه من الله تعالى أن يُظفره بهم وينصره عليهم؛ فيقول: «وظفراً بمن عاندني».
هاهنا أيضاً تبدو لنا ثلاث نقاط ينبغي الالتفات إليها، وهي:
النقطة الأُولى: إنّ الإمام سلام الله عليه في الموارد التالية غيّر عبارة الطلب، فبعد أن كان طلبه في الموارد الثلاثة المتقدّمة بعبارة: «اجعل لي» عدل عنها إلى عبارة: «وهب لي». ولعلّ هذا يعود للاختلاف في نوع الطلب؛ لأنّ الأُمور الثلاثة السابقة كانت تحتاج إلى عمل خارجي، ولذلك عبّر عنها الإمام سلام الله عليه بقوله: «اجعل لي» أمّا هنا فإنّ المكر وما بعده يتطلّب الفهم والفكر، ولذلك قال الإمام سلام الله عليه:
«هب لي».
النقطة الثانية: إنّ المكر – الحيلة كما في اللغة الدارجة – يختلف في الاستعمال العرفي عن معناه اللغوي والواقعي، فالمكر في اللغة ليس كلّه سيّئاً بل بعضه سيئ! ولذلك قال تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلاّ بأهله﴾(6) وقال أيضاً: ﴿أفأمن الذين مكروا السيّئات﴾(7).
المكر يعني أن تحتال باستعمال الفكر للتغلّب على خصمك ولو بالتمويه عليه. والكيد مثله، في محاولة كلّ طرف أن يكيد بخصمه ويمكر له.
وفي المقام يطلب الإمام سلام الله عليه من الله تعالى أن يهبه الفكر الذي يمكّنه من المكر بمن كايده – أي بمن يكيد للإمام – ولذلك لم يقل الإمام سلام الله عليه (بمن كادني) بل قال:
«بمن كايدني»؛ لأن الكيد من طرف أما المكايدة فبين طرفين.
النقطة الثالثة: إنّ الكيد يعني الخدعة وهو غير الكذب والفتك.
صحيح أنّ المكر والكيد والخدعة أُمور ليست مذمومة في كلّ حال؛ بل منها ما هو سيئ ومنها ما هو حسن، كما في الحرب التي هي من الموارد التي تجوز فيها الخدعة، فلقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّه قال:
«الحرب خدعة»(8). ولكن استعمال المكر والخدعة لا يعني اللجوء إلى الكذب والفتك، وهذا من سيّئ الاعمال فيهما لأنّ الكذب من أعظم الكبائر، كما أن (الإيمان قيّد الفتك)(9).
أي بمعنى أنّك قد تقوم بعمل ما لتوحي لخصمك بأمر ما وأنت تنوي خلافه، وقد تحاول تضليل عدوّك قبل الحرب أو في أثنائها تبتغي بذلك تقليل الخسائر أو تعجيل النصر أو ما أشبه من الأُمور التي يدعو إليها العقل ويحبّها الله تعالى، كما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في كتب السير أنّه سار قبل غزوة بدر في خلاف الجهة التي كان يتوقّعها الناس يريد صلّى الله عليه وآله بذلك تضليل العدو ولئلاّ يشعر به الجواسيس، فتبقى المبادرة بيده من دون ظلم أحد، ولكن لا يجوز مثلاً أن تمنح عدوّك الأمان ليسلّم نفسه فإذا سلّم نفسه بادرت لقتله غيلة أو صبراً؛ لأنّ هذا يعدّ فتكاً؛ والإسلام لا يرضى به.
أمّا أن تستر مذهبك عن العدو، أي تخادعه، فهذا مطلوب كما في المروي عن أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك»(10) .. لئلاّ يعرفك العدو.
يقول الإمام بعد ذلك: «وقدرة على من اضطهدني»، وقبل بيان المعنى العام لهذه الجملة من كلام الإمام سلام الله عليه ننوّه إلى أنّ كلمة «اضطهاد» مشتقّة من لفظة «ضهد» في باب الافتعال، ولذلك فهي في الأصل «اضتهاد» ثم أُبدلت تاؤها طاءً، لأنّها من المواضع التي تبدل فيها التاء إلى طاءٍ – في اللغة العربية – تخلّصاً من الثقل وصعوبة التلفّظ بالتاء التي تأتي بعد الضاد في المفردة الواحدة(11). والاضطهاد في اللغة هو الظلم – بالمعنى الأخصّ – لأنّه يعني الظلم الذي يقع على الإنسان بسبب عقيدته، ثمّ توسّع استعماله من باب المجاز فصار يشمل غير ذلك.
فكأنّ الإمام سلام الله عليه يقول: إلهي هب لي القدرة على من يظلمني بسبب عقيدتي وميولي الحقّة، فلا يتمكّن من ذلك.
والملفت للانتباه هنا أنّ الإمام سلام الله عليه استعمل في دعائه – في الجمل الثلاث الأُول من هذا المقطع – عبارة «اجعل لي» - كما تقدّم منّا آنفاً – بينما أبدل عبارته هنا – في الجمل التالية – إلى «هب لي»، وعندما طلب من الله تعالى العون مقابل الظلم قال سلام الله عليه: «اجعل لي يداً على من ظلمني» فاستعمل كلمة «يد» للتعبير عن القوّة والقدرة ولكنّه هاهنا – في مقابل الاضطهاد، وهو الظلم الخاصّ الواقع على المرء بسبب العقيدة والمبدأ – استعمل الإمام سلام الله عليه لفظة القدرة نفسها لتدلّل على المدد النفساني الذي يهبه المولى تعالى لعبده، فقال:
«وقدرة على من اضطهدني»، ولا شكّ أنّ وراء هذا الاختلاف تكمن معانٍ دقيقة حريّ بأهل العلم الوقوف عندها والتأمّل فيها.
ثمّ يقول الإمام سلام الله عليه بعد ذلك: «وتكذيباً لمن قصبني» أي أعاب علي.
من الواضح أنّه لا يخلو أي إنسان من عيب لأنّ الله تعالى خلق الدنيا هكذا، لكي يمتحن بها العباد. فإذا كان الإنسان غنيّاً أُصيب بعيوب كالكبر والغرور والبخل، وغير ذلك، وهذه كلّها نواقص يعاب عليها، وإن كان فقيراً ابتلي بالعيوب التي يفرزها الفقر وربما انتقصه بعض الناس بسبب الفقر نفسه وعدوّه عيباً، وهكذا هو الإنسان في كل حالاته. والناس عادة لا يكفّون ألسنتهم عن أحد أبداً، ولذلك يطلب الإمام السجّاد سلام الله عليه من الله تعالى أن يهبه إمكانية تكذيب من شغلهم الانتقاص له وتعييره.
الوعد إمّا أن يكون في خير كما لو يعد الإنسان ابنه فيقول: إذا نجحتَ في الامتحان فسأعطيك جائزة، وإمّا أن يكون في الشرّ وهو الوعيد ومنه التوعّد، وهو الذي يطلب الإمام سلام الله عليه من الله تعالى أن يهبه الفكر أو التدبير للتخلّص والسلامة من المتوعدين له.
إنّ الإمام سلام الله عليه طلب في دعائه من الله تعالى أن يخلّصه من شرور الظالمين والمخاصمين والكائدين والمعاندين والمضطهدين والقاصبين والمتوعّدين، ولكن ينبغي لنا أن نعرف أيضاً أنّ هؤلاء كلّهم بشرورهم إلى زوال ولكن هناك عدو أعدى منهم كلّهم، ولو تمكّن هذا العدو من الإنسان ألحق به عذاباً لا يزول أبداً، وذلك العدو هو النفس الأمّارة بالسوء. أتدرون ماذا تصنع النفس بالإنسان إن هو مكّنها من عقله؟ سوف تقوده إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه.
إنّ الله تعالى خلق الخلق ليرحمهم؛ فقال عزّ من قائل: ﴿إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم﴾(12) أي ليرحمهم، إلاّ أنّ الإنسان بتصرّفاته واتّباع هوى نفسه الأمّارة بالسوء يجلب غضب الله عزّوجلّ. فلابدّ إذا من التفكير بصورة جادّة في علاج هذه المشكلة. إنّ الدعاء جزء مهم من العلاج، غير أنّ الجزء الأهمّ فيه يتمثّل في قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾(13). فلابدّ من الاستعانة بالرياضة الروحية المشروعة، فعن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «وإنّما هي نفسي أُروّضها بالتقوى»(14) وفي الحديث الشريف أيضاً: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كلّ يوم ...» (15).
وروي أنّه بينا موسى بن عمران سلام الله عليه يعظ أصحابه إذ قام رجل فشقّ قميصه فأوحى الله عزّوجلّ إليه:«ياموسى قل له: لا تشقّ قميصك ولكن اشرح لي من قلبك»(16).
ولو تأمّلنا في أحوال الذين أودت بهم أنفسهم في نار جهنّم لرأينا أنّ فيهم من حظي بما لم يحظ به كثير من المؤمنين.
يروى أنّ «فلاناً» كان من بين الذين عاشوا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله أكثر من عشرين سنة غير أنّ مصيره سيكون من أصحاب التابوت، وهو صندوق من النار في جهنّم يودعون فيه لو فتح بابه لتأذّى منه أهل النار، رغم ما هم فيه من العذاب الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وهم يصطرخون فيها﴾(17).
فما الذي جعل مصير أشخاص كهؤلاء أسود هكذا سوى نفوسهم وحبّها للرئاسة؟ وهذه النفس – كما لا يخفى – موجودة عند كلّ إنسان، فإن غفل عنها أو استجاب لرغباتها قادته إلى نفس المصير!
فلنفكّر قليلاً من أجل كبح جماح ما قد يصدر من هذه النفس التي أودعها الله فينا ليختبرها أندسّها أم نزكّيها ثم تكون النتيجة كما قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها﴾(18) ويكون الناس بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿هم درجات عند الله﴾(19) فيكون مصير أخوين عاشا معاً في محيط واحد بحيث يكون أحدهما وهو محمّد بن الفرج الرخجي - من أوثق أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام – في روضة الخلد مع الذين فيها يحبرون، بينما يكون أخوه عمر بن الفرج الرخجي في حصب جهنّم مع الذين فيها يصطرخون، لأنّه كان من أشدّ أعداء أهل البيت سلام الله عليهم، كما تجد إنساناً قيّض له أن يكون من أهل التابوت بينما يكون ابنه في أعلى علّيين.
يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في حقّ محمّد بن أبي بكر: «محمّد ابني من صلب أبي بكر»(20).
ثم إنّ النفس لا تتغيّر نحو الأفضل أو الأسوأ دفعةً واحدة بل بالتدرّج، وكما قيل: إنّ سارق البيضة يتدرّج حتّى يصبح سارق سلطان؛ فقد حكي أنّ شخصاً سرق أموال السلطان فحكم عليه بالإعدام، ولمّا جيء به لتنفيذ الحكم عليه قيل له: ما حاجتك؟ فقال: أُريد أُمّي. وعندما جيء بها قال لها: أنتِ السبب في قتلي. قالت: ولِمَ؟! وهل أنا التي أمرتك بسرقة السلطان؟! قال: لا، ولكن يوم رأيتني سرقت بيضة من الجيران شجّعتيني ولم تردعيني فتدرّجت حتّى بلغ بي الأمر أن سرقت أموال السلطان، وحكم عليّ بالموت.
ولذا قال أمير المؤمنين سلام الله عليه: «مَنْ لَمْ يَسُسْ نَفْسَهُ أضَاعَها»(21) أي كما هي تخدعكم أنتم أيضاً حاولوا خداعها.
فمثلاً لو لم يكن شخص من أهل صلاة الليل فلا يفرض على نفسه أداءها كاملة طويلة في أوّل مرّة، بل ليكتف بأقلّ ما تطاوعه به نفسه أوّلاً ثمّ يزيد شيئاً فشيئاً لئلاّ تفلت ولا تستجيب له بعد ذلك؛ ولذلك قيل: من يمشِ هوناً يمشِ دهراً، وفي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: «المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»(22).
إذن علينا التدرّج بالنفس، كما علينا الاستنارة بكلمات المعصومين سلام الله عليهم وسيرتهم لأنّ «لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه» كما ورد في رسالة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف، فلنحاول الاقتداء بأئمّتنا ما أمكننا، فإنّ الإمام سلام الله عليه نفسه يقول: «ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد»(23) وأين نحن منهم عليهم السلام ولقد كانوا قمّة في حبّ الله وخشيته؛ فما لنا إذن سوى الورع والسداد والعفّة والاجتهاد، فهذا كفيل بمرضاة الله تعالى.
روي عن أبي جعفر الباقر سلام الله عليه أنّ امرأة ادّعت على أبيه (علي بن الحسين سلام الله عليهما) عند والي المدينة أنّ لها عليه أربعمائة دينار. فقال الوالي: ألك بيّنة؟ قالت: لا ولكن خذ يمينه. فقال والي المدينة يا علي، إمّا أن تحلف وإمّا أن تعطيها. فقال لي: يابني قم فأعطها أربعمئة دينار. فقلت: يا أبه جعلت فداك ألست محقّاً؟ فقال: بلى يابني ولكنّي أجلّ الله تعالى أن أحلف به يمين صبر(24). فلننظر لأنفسنا هل نكون مثل الإمام سلام الله عليه أم ترانا نحلف بالله تعالى لأدنى سبب؟!
وهكذا يجب أن تكون علاقاتنا مع بعض. علينا أن نقتدي بالأئمّة سلام الله عليهم ونتّخذ سبيل التسامح والعفو ونغفر لإخواننا ونعذرهم؛ فإنّ بروز المشكلات بين الإخوة والمتعاشرين كالأرحام والزملاء والزوجين والأساتذة والتلاميذ والصديق وصديقه أمر طبيعي يولّده القرب والاحتكاح؛ فلذا لا ينبغي تضخيمها وعدم التسامح بشأنها بل اللازم الاقتداء بأئمّتنا سلام الله عليهم الذين كانوا المثل الأعلى في الأخلاق الفاضلة وهذا كلّه لا يأتي إلاّ بالترويض والتدرّج كما قلنا.
وينبغي لنا أن ننتهز الفرص التي تمرّ بنا، ومن هذه الفرص المناسبات التي جعلها الله تعالى لنا مثل شهر رمضان المبارك، ومنها أيضاً هذه الأيّام التي نحن مقبلون عليها وهي أيّام شهر ذي الحجّة لاسيّما العشر الأُول منها، ففي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله: «ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من أيام العشر يعني عشر ذي الحجّة»(25) وقد تكرّر ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أيّام معلومات﴾(26) و ﴿أيّام معدودات﴾(27).
فهذه فرص رفيعة جدّاً – ولا أقول ذهبية؛ إذ ما قيمة الذهب إزاءها – فلنغتنمها ونأخذ بزمام أنفسنا بأيّة نسبة استطعنا.
روي عن الإمام الرضا سلام الله عليه أنه قال: ... فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتقي من أجلها(28).
وربما كان هذا الذي وصل إلى هذه الدرجة من خير خلق الله ولكنّه نزل تدريجياً حتّى وصل هذه الدركة.
كما يمكن لمن هو في مثل هذه الدركة أن يترقّى تدريجياً حتّى يكون من الذين لا يهمّهم سوى أمر الآخرة.
فلنتأمّل في هذه الفقرات ونتصوّر أنّ مصاديقها الاجلى هي نفس الإنسان فنطلب من الله تعالى أن يهبنا القدرة على أنفسنا لكي نوفّق ونكون من الذين اتّخذوا طريق التدرّج في الصعود والرقي بلوغاً إلى أعلى الدرجات ببركة النبي محمّد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.