» الفهرست

» مضامين كلمة أجر ِ
» الإسلام يريد الخير لجميع الناس
» على يدي أو على يديّ
» المقصود بـ الخير
» المنّ يمحق عمل الخير
» علماؤنا قدوة في عدم المنّ
» قصة فيها عبرة
» الخير الذي يفعله الإنسان لغيره يعود لنفسه في الحقيقة


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

يقول الإمام زين العابدين سلام الله عليه، في فقرة أخرى من دعاء مكارم الأخلاق: «وأجرِ للناس على يديّ الخير، ولا تمحقه بالمنّ».
هاتان الجملتان وإن كانتا قصيرتين في اللفظ ولكنهما طويلتان ومستمرتان على مدى حياة كل إنسان. نفسّر الجملتين ابتداء ثم نرى بعد ذلك ما الذي نستفيده من كلمات وأحاديث أهل البيت سلام الله عليهم في هذا المجال.


:. مضامين كلمة أجر

يستفاد من كلمة «أجرِ» لغوياً ثلاثة مضامين من زوايا ثلاث:
● المفهوم أو المضمون الأول المستفاد من هذه الكلمة أن الإمام سلام الله عليه ينسب فعل الخير الذي يفعله الإنسان إلى الله تعالى؛ يُفهم ذلك من صيغة الطلب «أجرِ». وهذا معناه أن المباشر للخير هو آلة ووسيلة، أما الفاعل الحقيقي للخير فهو الله تعالى. غاية الأمر أن هذه الوسيلة مختارة وغير مجبرة على فعل الخير وتركه، إذ لولا الاختيار لبطل الثواب والعقاب.
● المفهوم الثاني يستفاد من مادة الفعل «أجرِ» أي «جَ رَ يَ»، فهذه المادة تفيد الدوام، لأنه كان يمكن أن يقول الإمام (أصدِر مني الخير) ولكن ذلك اللفظ ما كان يحمل المعنى الذي تحمله كلمة «أجرِ» وهو طلب دوام صدور الخير وليس مجرد الصدور؛ لأن الجري في اللغة يعني الانتقال والحركة من مكان لآخر متّصلاً كما في جريان الماء.
● أما المفهوم الثالث المستفاد من كلمة «أجرِ» فيكمن في مصدرها وهو الجريان أي وزن فعلان، ومعروف في كتب اللغة والصرف أن هذا الوزن (فَعَلان) يدلّ على الاستمرار، فالآية الكريمة ذكرت فعلاً مصدره يدلّ على الاستمرار وعدم الانقطاع، ومن شواهد ذلك قول الله تعالى في وصف الحياة الآخرة بأنها هي الحيَوان ﴿وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان﴾(1) أي الحياة المستمرة المتواصلة التي لا انقطاع لها. إن الله تعالى كثيراً ما ذكر الحياة الآخرة في القرآن الكريم ولكنه في هذه الآية آراد أن يؤكد صفة الحياة لها وأنها الحياة الحقيقية والدائمة المستمرة، فاستعمل صيغة فعلان (حيوان) - كما يستفاد منها - مضافاً إلى أدوات التوكيد الأخرى وهي «إن» و «الألف واللام» في «الدار» ولام التأكيد وضمير الشأن الدالّ على الحصر في «لهي».


:. الإسلام يريد الخير لجميع الناس

الكلمة الثانية في الجملة الأولى من هذه الفقرة من الدعاء هي قول الإمام سلام الله عليه: «للناس»، وهذا معناه أن الإمام يطلب من الله تعالى أن يجري على يديه الخير «للناس» وليس للمؤمنين أو المسلمين وحدهم بل لكل الناس مؤمنين وغيرهم ومسلمين وغيرهم بل حتى لغير المؤمنين بدين أصلاً. هكذا يسأل الإمام من الله تعالى، ونحن أيضاً اقتداءً وتأسّياً بالإمام سلام الله عليه هكذا نسأل الله في دعائنا.
وهذه هي نظرة الإسلام إلى عباد الله تعالى، ففي الحديث الشريف: «الْجِيرَانُ ثَلاثَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ حَقُّ الإِسْلامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْقَرَابَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقَّانِ حَقُّ الإِسْلامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، الْكَافِرُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ»(2).

صحيح أنه ﴿لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾(3) ولكنه جعل له هذا الحق فهو ليس سبيلاً ولا سلطة. وهذه هي أخلاق الإسلام، مضافاً إلى ما تحمله هذه النظرة من جذب للإسلام. وكما أن الله سبحانه وتعالى يعطي النعم للمؤمن والكافر والمتدين وغير المتدين ومن كان يؤمن بالله أو ينكره، فكذلك الإمام سلام الله عليه يسأل الله تعالى أن يجري على يديه الخير لجميع الناس دون تمييز. فإن (الناس) اسم جمع لا مفرد له من لفظه، ودخول «ال» عليه يفيد العموم.
هكذا كان أهل البيت سلام الله عليهم، يجري الخير على يديهم لجميع الناس، وقد روي أن الإمام الصادق سلام الله عليه كان يأخذ معه الخبز والتمر والحنطة في منتصف الليل يوزّعها على فقراء المدينة وهم نيام فيضعها تحت رؤوسهم فيقال له هؤلاء غير موالين لكم، فيقول سلام الله عليه : لو كانوا موالين لنا لواسيناهم بالدُقّة.(4)


:. على يدي أو على يديّ

في كتب الأدعية سيما المُعاد طبعها في طبعات حديثة حيث الكلمات مشكّلة بالحركات كاملة، مثل مفاتيح الجنان(5) وكتاب الدعاء والزيارة (6)، وردت كلمة «يديّ» أي بتشديد الياء وهي تفيد التثنية، ولكني وجدتها في بعض الكتب الأخرى بلفظ المفرد أي دون تشديد الياء؛ هكذا: «على يدي»، ولا فرق بينهما سوى من جهة زيادة التأكيد؛ لأن اليد – كما هو معلوم في كتب اللغة والبلاغة – قد ترد بمعنى هذا العضو الخاص وقد ترد في الكلمات البليغة والفصيحة للتعبير عن القدرة والمكنة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾(7) والمقصود قدرة الله تعالى وسلطته ومكنته – وكذلك فضله ونعمته – لأن الله تعالى ليس له يد كأيدينا لأنه ليس بجسم أصلاً، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. ولمزيد من التوضيح نأتي بمثال:

لو أن تاجراً قال لوكيل له: أخرِج خمسي وزكاتي وادفعهما لمستحقيهما وتصدّق من أموالي على الفقراء كذا وكذا، ألا يكون الخير جارياً على يده للناس مع أنه لم يستعمل يده (الجارحة) إطلاقاً؟
أما الفرق بين استعمال «يدي» أي الواحدة، و «يديّ» أي كلتاهما، فهو أن الأخيرة تفيد التوكيد أي كلّ القدرة أو كلّ العطاء، كما نقرأ في الدعاء: «يا باسط اليدين بالعطية»(8) أي تعطي كلّ الفضل، وإلا فإن الله تعالى منزّه عن أن تكون له يد مادية فضلاً عن اثنتين! وإنما كان استعمال صيغة المثنى (يديّ) كناية عن مطلق العطاء من مطلق القدرة! وهكذا في هذا الدعاء إذا قلنا «وأجرِ للناس على يدي الخير» فهو طلب صدور الخير منّا للناس على الدوام، أما قولنا: «وأجرِ للناس على يديّ الخير» فهو يعني طلب التوفيق لصدور الخير والإعطاء الدائم بكلّ الطاقة التي نتوفّر عليها، أي هو المبالغة في الإعطاء.


:. المقصود بـ الخير

والخير بعد ذلك مطلق، ولما كان محلّى بالألف واللام فهو ظاهر في العموم أيضاً، كما هو عليه جمهرة عظيمة من اللغويين والبلاغيين والفقهاء والأصوليين. فالخير ليس منحصراً بالمال والطعام والملبس والمسكن وحلّ المشكلات والأمور المادية والمعنوية الأخرى بل كلّ ما هو خير في منطق الإسلام يسأل الإمام من الله تعالى أن يجريه على يديه للناس.


:. المنّ يمحق عمل الخير

ثم إن الإمام سلام الله عليه بعد ذلك يقول: إلهي أنت إذ وفقتني وأجريت للناس على يدي الخير، فـ «لا تمحقه بالمن» أي احفظني من الشيطان ولا تكلني إلى نفسي فإني لا أستطيع النجاح مستقلاًّ عنك. وقد تحدثنا في المحاضرة السابقة لماذا نسب الإمام آفات الفضائل إلى الله تعالى فقال: «ولا تُفسد عبادتي بالعجب» ويقول هنا: «ولا تمحقه بالمن» فلا نعيد.
أما المحق فهو البطلان أو أقلّ منه بدرجة لأنّ المحق يستعمل في مثل الهلكة والتلف أيضاً. وقد ورد استعمال البطلان في القرآن أكثر، مثل قوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾(9)، أما المحق فقد ورد قليلاً ومنه قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾(10) وقوله تعالى: ﴿ويمحق الكافرين﴾(11)، وهنا أيضاً قال الإمام سلام الله عليه في دعائه: «ولا تمحقه بالمن» لأنّ المنّة تتلف عمل الخير وتفنيه كما في الرواية التالية:

دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الإمام مُحَمَّد الجواد سلام الله عليه وَهُوَ مَسْرُورٌ. فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مَسْرُوراً؟ قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ: أَحَقُّ يَوْمٍ بِأَنْ يُسَرَّ الْعَبْدُ فِيهِ يَوْمٌ يَرْزُقُهُ اللَّهُ صَدَقَاتٍ وَمَبَرَّاتٍ وَسَدَّ خَلاَّتٍ مِنْ إِخْوَانٍ لَهُ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ قَصَدَنِي الْيَوْمَ عَشَرَةٌ مِنْ إِخْوَانِي الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَرَاءِ لَهُمْ عِيَالاتٌ فَقَصَدُونِي مِنْ بَلَدِ كَذَا وَكَذَا فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَلِهَذَا سُرُورِي. فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَعَمْرِي إِنَّكَ حَقِيقٌ بِأَنْ تُسَرَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْبَطْتَهُ أَوْ لَمْ تُحْبِطْهُ فِيمَا بَعْدُ. قَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ أَحْبَطْتُهُ وَأَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ الْخُلَّصِ؟ قَالَ: هَاهْ قَدْ أَبْطَلْتَ بِرَّكَ بِإِخْوَانِكَ وَصَدَقَاتِكَ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: اقْرَأْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذى(12) قَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَنَنْتُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِمْ وَلا آذَيْتُهُمْ. قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذى، وَلَمْ يَقُلْ لا تُبْطِلُوا بِالْمَنِّ عَلَى مَنْ تَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ وَبِالأَذَى لِمَنْ تَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ كُلُّ أَذًى(13).

يستفاد من هذا الحديث أنه إذا ذكَر المتفضل على أحدٍ فضله حتى في غيابه عُدّ ذلك من مصاديق المنّة، فالمستفاد من الحديث المتقدم أن الشخص إذا صنع خيراً لأحد ثم ذكره في مجلس، فإن الخبر سيصل إليه عاجلاً أو آجلاً فيتأذى، ولم يقيَّد الأذى أن يكون مباشراً كما لو يقول المانّ: أنا الذي أعطيتك المال ولم يكن عندك، أو أن يكون بصورة غير مباشرة كالايحاء مثلاً، وهذا امتحان صعب جداً يتطلب الاستعانة بالله تعالى حتى يجتازه المرء بنجاح.


:. علماؤنا قدوة في عدم المنّ

ولنا في العلماء الأعلام خير أسوة؛ فلقد نُقل – في جلسة خاصة حضرتها – أن المرحوم السيد الخونساري قدس سره وكان من مراجع التقليد في مدينة قم المقدسة قال للسيد البروجردي الذي كان مرجعاً عاماً للشيعة في عصره في زيارته بعد أن نزل مدينة قم وكان يحضر الزيارة مجموعة من العلماء والأفاضل والمدرسين: أنا كنت تلميذكم وكنت أحضر درسكم. وكان السيد البروجردي والسيد الخونساري كلاهما تتلمذا على الآخوند الخراساني صاحب الكفاية في النجف الأشرف. ولكن السيد البروجردي لم يذكر للسيد الخونساري أنه يتذكر ذلك بل تصرّف بنحو يوحي أنه لا يتذكره أي أعطى انطباعاً لذلك، دون أن يقع في الكذب، ولكن السيد الخونساري تبسّم وقال: يحقّ لك أن تنسى بأني قد درست عندك لأن تلاميذ كثيرين من أمثالي درسوا عندك، ومن ثم فقد رأيتَ مثلي كثيرين فمن الطبيعي أن لا تتذكرني، ولكني قلّما رأيت أستاذاً مثلك ولذلك لا أنساك.
انظروا إلى ما بلغه هذان العلمان من التواضع والتحرز عن المنّ.


:. قصة فيها عبرة

كان هناك رجل حاجّ أعرفه جيداً يعيش في إحدى المدن المقدسة، ولا أذكر لكم اسمه لأن المهمّ محلّ الشاهد من قصته التي سأرويها لكم:
نزل في مدينته مسافر من بلد آخر هو وعائلته وكانوا ينزلون فيها لأوّل مرّة ولا يعرفون فيها أحداً، فذهبوا إلى الفنادق والمنازل التي يؤجّرها أصحابها فلم يحصلوا على مكان بسبب كثرة الزوار، واضطروا للجلوس في مكان ما، فمرّ بهم الحاج، وهوكما أعرفه كان يعمل الخير ما وسعه لأي شخص سواء كان يعرفه أم لا، وعندما رأى هذا الزائرَ وعائلته جالسين على الأرض سألهم: لماذا أنتم جالسون هنا؟ فقالوا له: نحن مسافرون جئنا للزيارة ولكنا لم نعثر على مكان ننزل فيه فاضطررنا للجلوس هنا عسى أن يمرّ بنا شخص من أهل بلدتنا يعرفنا ونعرفه فيرشدنا إلى مكان ما.

قال لهم الحاج: تعالوا معي إلى بيتي. ففرحوا بذلك وأضمروا أن يعطوه الأجرة المناسبة آخر الأمر لأنهم كانوا أناساً متمكنين مادياً ولكن لم يكن يتيسّر لهم الحصول على مكان ينزلون فيه. وأنزلهم الحاج في بيته منزلاً كريماً وكانوا ضيوفاً عليه لمدة عشرة أيام كان يقدّم لهم خلالها الطعام أيضاً لأنه كان هو الآخر متمكناً مادياً، قد أنعم الله تعالى عليه ولكن الضيوف فوجئوا عندما أرادوا وداعه أنه لا يقبل المال وقال لهم: لم تكونوا ضيوفي بل ضيوف الإمام سلام الله عليه وإن المبلغ الذي سأحصل عليه منه يفوق ما تعطونه لي مهما بلغ. وعندما لاحظوا إصراره على رفض أخذ المال ودّعوه شاكرين وانصرفوا.

مرّت سنوات وحدثت للحاج (المضيّف) مشكلة سياسية في البلد الذي قدم منه الزائر الضيف وأُرسل إلى السجن وكان يحتمل حتى صدور حكم الإعدام بحقّه، وكان يتعرض للاستجواب عدة أيام حتى جاءه في أحد الأيام شخص يظهر من العلامات التي يحملها على كتفه أنه رجل رفيع المنصب في الدولة. وعندما دخل عليه سأله: ألستَ فلانا؟ قال بلى. ثم شرع بتوجيه الأسئلة الأخرى من قبيل: ألستَ تسكن البلد الفلاني؟ وكان الحاج يجيب: لقد سألتموني من قبل والمعلومات مكتوبة عندكم فقد أدليت بكلّ إفادتي. وأخيراً سأله المحقق: أليس بيتك في المكان الفلاني؟ قال: نعم. ثم نظر المحقق إليه نظرة خاصة وقال: ألم تعرفني؟ قال: لا. قال دقّق فيّ جيداً، ثم رفع قبعته من على رأسه فقال الحاج: كأني رأيتك ولكن لا أتذكّر أين. فقال الرجل: لقد كنا أنا وعائلتي عشرة أيام في بيتك ضيوفاً أكرمتنا كثيراً ولم تقبل أن تأخذ مالاً لقاء ذلك مهما حاولنا ذلك. قال الحاج: إنما فعلته لله.
وهنا قال زائره: ها هو حكمك بيدي، وعقوبتك تصل حتى الإعدام، ولكني أمزّق الورقة أمامك وأقول لك: تفضّل واخرج فليس عليك شيء!


:. الخير الذي يفعله الإنسان لغيره يعود لنفسه في الحقيقة

يتضح من القصة أعلاه ومن كل ما سلف أن الخير الذي يفعله الإنسان لغيره إنما يعود لنفسه في الحقيقة بل هو مسجّل له منذ البداية، ولكن انكشاف هذا الأمر يحتاج إلى وقت، غايته أن النتائج قد لا تظهر كلها في هذه الحياة الدنيا بل قد يراها الإنسان في الآخرة، فإذا كان عند الإنسان بصيرة والتفات وكان معتبِراً بقصص الآخرين سهُل عليه الأمر وبادر إلى عمل الخير للآخرين، وهو لنفسه في الحقيقة كما قلنا.
نسأل الله تعالى أن يجري على أيدينا الخير ولا يمحقه بالمنّ،
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


* ألقيت هذه المحاضرة في 22 جمادى الأولى 1421 هـ .
(1) العنكبوت، الآية 64 .
(2) المستدرك، 8 / 424 .
(3) النساء، الآية 141 .
(4) عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْس قَالَ: خَرَجَ أَبُو عَبْد اللَّه عليه السلام في لَيْلَة قَدْ رُشَّتْ وَهُوَ يُريدُ ظُلَّةَ بَني سَاعدَةَ فَاتَّبَعْتُهُ فَإذَا هُوَ قَدْ سَقَطَ منْهُ شَيْ‏ءٌ. فَقَالَ: بسْم اللَّهِ اللَّهُمَّ رُدَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فسَلَّمْتُ عَلَيْه، قَالَ فَقَالَ: مُعَلًّى! قُلْتُ: نَعَمْ، جُعلْتُ فدَاكَ. فَقَالَ لي: الْتَمسْ بيَدكَ فَمَا وَجَدْتَ منْ شَيْ‏ء فَادْفَعْهُ إلَيَّ. فَإذَا أَنَا بخُبْزٍ مُنْتَشر كَثِير فَجَعَلْتُ أَدْفَعُ إلَيْه مَا وَجَدْتُ، فَإذَا أَنَا بجراب أَعْجزُ عَنْ حَمْله منْ خُبْز، فَقُلْتُ: جُعلْتُ فدَاكَ أَحْملُهُ عَلَى رَأْسي؟ فَقَالَ: لا أَنَا أَوْلَى به منْكَ وَلَكن امْض مَعي. قَالَ: فَأَتَيْنَا ظُلَّةَ بَني سَاعدَةَ فَإذَا نَحْنُ بقَوْم نيَام فَجَعَلَ يَدُسُّ الرَّغيفَ وَالرَّغيفَيْن حَتَّى أَتَى عَلَى آخرهمْ ثُمَّ انْصَرَفْنَا. فَقُلْتُ: جُعلْتُ فدَاكَ يَعْرفُ هَؤُلاء الْحَقَّ؟ فَقَالَ: لَوْ عَرَفُوهُ لَوَاسَيْنَاهُمْ بالدُّقَّة. وَالدُّقَّةُ هِيَ الْمِلْحُ. (الكافي ج4 ص: 9)
(5) للشيخ عباس القمي رحمه الله.
(6) للسيد محمد الشيرازي قدس سره.
(7) الفتح، الآية 10 .
(8) من أدعية ليلة الجمعة.
(9) البقرة، الآية 264 .
(10) البقرة، الآية 276 .
(11) آل عمران: الآية 141 .
(12) آل عمران: الآية 141 .
(13) مستدرك الوسائل: 7 / 234 .