» الفهرست

» ما هو أحسن الأعمال؟
» العمل بالسنة أحسن الأعمال
» نماذج عملية
» من أفضل الأعمال تعلم علوم أهل البيت وتعليمها
» نموذج لأفضل الأعمال
» السيد البروجردي نموذجاً
» أحسن الأعمال في ليلة ويوم عرفة والعيدين


» النص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. *

كان الحديث في المحاضرتين السابقتين عن الفقرة الأولى من دعاء مكارم الأخلاق، حيث يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين سلام الله عليه : «اللهم صل على محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان واجعل يقيني أفضل اليقين وانته بنيتي إلى أحسن النيات وبعملي إلى أحسن الأعمال»، وقلنا بأهمية هذه العناصر الأربعة وتلازمها وترتب بعضها على بعض، وأن النية والعمل يجب أن يكونا كلاهما حسنين. فلا فائدة في نية حسنة إذا لم يكن العمل حسناً، كما أن العمل الحسن وحده لا ينفع ما لم يكن صادراً عن نية حسنة. ولحسن النية درجات، ولحسن العمل درجات؛ ولذلك نرى الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) يسأل الله سبحانه وتعالى في هذا الدعاء أن ينتهي بنيته إلى أحسن النيات أي أرفع درجاتها، وبعمله إلى أحسن الأعمال أيضاً.


:. ما هو أحسن الأعمال؟

لقد وُجّه هذا السؤال إلى الإمام زين العابدين سلام الله عليه نفسه بل إلى سائر الأئمة المعصومين سلام الله عليهم كلّ في عصره، فأجاب كل إمام بشيء، ولربما أجاب الإمام الواحد بأكثر من إجابة حسب الموقف والمناسبة. فمثلاً هناك روايات تقول إن الصلاة أحسن الأعمال، وهناك روايات أخرى تقول إن صلة الرحم أحسن الأعمال. فما هو أحسن الأعمال حقاً، سيما وأن كلمة «الأعمال» وردت بصيغة الجمع المحلى بالألف واللام وهي صيغة تفيد العموم، فيكون المقصود منها «كل الأعمال»؟ يجمع الفقهاء عادة بين هذه الروايات وأمثالها إما على المعنى الإضافي أي النسبي، أو على اعتبار درجات الحسن؛ لأن الأئمة سلام الله عليهم كانوا يجيبون أحياناً بمقتضى حال الشخص السائل، أي على نحو ما يصطلح عليه العلماء بالقضية الخارجية (مقابل القضية الحقيقية).

توضيح ذلك: الإجابات المختلفة عن أحسن الأعمال ـ في كلمات المعصومين سلام الله عليهم ـ إما أن تحمل على درجات الأحسنية والأفضلية المطلقة، وإما أن تحمل على الأحسنية والأفضلية النسبية، أي إن العمل الفلاني أحسن عمل بالنسبة لكذا أو للشخص الفلاني، والعمل الآخر أحسن بالنسبة لشخص آخر أو موقف آخر. وما أكثر الموارد المشابهة في الكتب الفقهية ـ ومنها كتاب جواهر الكلام مثلاً ـ التي عولجت بأحد هذين النحوين ما لم توجد رواية شاملة تشهد على جميع هذه الروايات، فحينئذ لا يُجمَع بأحد هذه الجمعين (جمع الإضافة والدرجات).
وفيما نحن فيه حيث يعلّمنا الإمام السجاد سلام الله عليه أن نسأل الله تعالى ونطلب منه أن ينتهي بعملنا إلى أحسن الأعمال، يجب أن نعرف ما هو أحسن الأعمال لنسعى إلى تحقيقه. فمن يحب شيئاً ويطلبه من الله تعالى لابد أن يسعى إليه، كما أن من يطلب معيشة أفضل يسعى نحوها؛ فلو عرف شخص أن الأجرة في مكان ما دينار وفي مكان آخر ديناران فإنه لا يتردد في الذهاب إلى المكان الثاني مادام يبحث عن معيشة أحسن.


:. العمل بالسنة أحسن الأعمال

يقول الإمام زين العابدين سلام الله عليه في الجواب: «إن أفضل الأعمال عند الله ما عُمل بالسنّة»(1) والمقصود بالسنة هنا معناها الأعم وتشمل الفريضة، لأن السنة قد تطلق ويراد بها معناها الأخص وهي ما يقابل الفريضة (ككثير من المستحبات) وقد تطلق ويراد بها المعنى الأعم فتشمل الفريضة. وهذا بحث علمي مستدلّ وله شواهد كثيرة.
فيكون معنى الحديث أن على كل إنسان أن يعرف ما هي مسؤوليته الفعلية فيعمل بها، لأنها هي أحسن الأعمال بالنسبة إليه.
فأفضل الأعمال بالنسبة لصاحب العيال العديم المال هو الاكتساب الحلال للحصول على المال والإنفاق على من تجب عليه نفقتهم.

وأفضل الأعمال لمن يرى العالَم منغمساً في الضلالة أن يبادر لتعلّم علوم أهل البيت سلام الله عليهم ويعلّمها الناس، كما في الرواية الصحيحة عن الإمام الرضا سلام الله عليه (2)، وأفضل الأعمال للإنسان الذي بينه وبين رحمه قطيعة أن يصل رحمه، ولا تكون صلاة الليل ـ مثلاً ـ أحسن الأعمال بالنسبة إليه، وإن كانت حسنة له، وأحسن بالنسبة لغيره. فعندما يقال أن أفضل الأعمال صلة الرحم، فمعناه أن على الشخص الذي بينه وبين رحمه قطيعة أن يبادر لصلتها قبل القيام بأي عمل آخر، لأنها أفضل عمل يطلبه الله منه، فهي أحسن من صلاة الليل ومن الدراسة ومن قراءة القرآن، لأن «أفضل الأعمال ما عُمل بالسنّة».
اتضح إذن أن هذا الحديث المروي عن الإمام السجاد سلام الله عليه يكون شاهداً وقرينة ودليلاً على أن المراد من الروايات المتعددة في الموارد المختلفة عن العديد من المعصومين سلام الله عليهم في تفسير أحسن الأعمال أنه كلٌّ بحسب مورده، فإجاباتهم سلام الله عليهم على نحو القضايا الخارجية كما بيّنا آنفاً.


:. نماذج عملية

ـ نقل أحد تلاميذ السيد الوالد (رحمه الله) قال: ذهبت يوماً إلى السيد قبل الدرس وقلت له: عندي سؤال يهمني الجواب عنه ولذلك أرجو منكم أن تسمحوا لي بوقتكم وتعذروني إن بدا السؤال في نظركم غير مهم.
قال السيد: تفضل (اسأل).
قلت: سيدي، إذا علمتَ أنك ستفارق الدنيا بعد ساعة أو يوم، فماذا أنت فاعل خلال هذه المدة القصيرة الباقية من عمرك، وما هو العمل الذي ستبادر إليه؟
فأجابني السيد على الفور ودون أدنى تأمل (أي على خلاف عادته التي عرف بها في أوساط المحيطين به من أنه لا يجيب على أي سؤال بسرعة بل كان يتأمل ولو قليلاً ثم يجيب، الأمر الذي يكشف عن أنه كان قد فكر سابقاً في هذا الأمر ولذلك كان جوابه حاضراً عنده)؛ قال: «لا أعمل سوى هذا العمل الذي أنا مشغول فيه الآن» وكان جالساً يطالع كتاب الجواهر ويهيئ نفسه للتدريس، وكان الوقت ـ كما قلنا ـ قبيل وقت إلقاء درسه.

فقد يكون هذا هو أفضل الأعمال بالنسبة لمرجع التقليد، أعني مطالعة الأحكام الشرعية والتوفر عليها ليتسنى له الإجابة على أسئلة الناس واستفتاءاتهم، وتدريس الطلاب وتعليمهم، فهذه من واجباته المهمة، فيكون ما أجاب به (رحمه الله) هو العمل بالسنّة ـ أي العمل المسؤولية ـ وهو أفضل الأعمال كما يقول الإمام زين العابدين سلام الله عليه.
ـ المثال الثاني هو موقف مسلم بن عقيل (رحمه الله) وعدم فتكه بابن زياد في القصة المعروفة التي يتناقلها الخطباء وأحد رواتها هو مسلم نفسه.
قال ابن شهرآشوب: لما دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيب فبايعه اثنا عشر ألف رجل فلما دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ في جوف الليل ودخل في أمانه وكان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة وعشرون ألف رجل فعزم على الخروج فقال هانئ: لا تعجل. وكان شريك بن الأعور الهمداني جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد فمرض فنزل دار هانئ أياماً، ثم قال لمسلم: إن عبيد الله يعودني وإني مطاوله الحديث فاخرج إليه بسيفك فاقتله وعلامتك أن أقول اسقوني ماء، ونهاه هانئ عن ذلك. فلما دخل عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه وطال سؤاله ورأى أن أحداً لا يخرج فخشي أن يفوته فأخذ يقول:
ما الانتظار بسلمى أن تحييها كأس المنية بالتعجيل اسقوها
فتوهم ابن زياد وخرج.

فلما خرج ابن زياد دخل مسلم والسيف في كفه فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خصلتان أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، وأما الأخرى فحديث حدثنيه الناس عن النبي صلّى الله عليه وآله:«أن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن»(3). حقاً ما أعظم هذه الكلمات الثلاث؟! أجل إنها ثلاث كلمات فقط، ولكن الدنيا تزول في يوم ما، وتبقى هذه الكلمات خالدة.
فكما أن الإنسان المقيد بالسلسلة لا يستطيع التصرف بحرية لأن السلسلة تقيده وتمنعه من الحركة فكذلك هو الإسلام يمنع الإنسان المؤمن من الفتك، فإذا فتك فذلك يعني أنه قد تحرر من الإسلام ولم يعد متقيّداً به.
ولقد اتخذ مسلم (رضوان الله عليه) الموقف الأمثل المطلوب منه، أي عمل بما تقتضيه السنة منه، فكان موقفه هذا أحسن الأعمال.

بعد أن نقل العلامة المجلسي (رحمه الله) هذه القصة في البحار قال: لو قتل مسلم في تلك اللحظة ابنَ زياد لاستتب له أمر الكوفة وقوي جانب الحسين سلام الله عليه وربما آل الأمر إلى سقوط يزيد وحكومة بني أمية، وهذا يعني تفويت فرصة عسكرية من أعظم الفرص... ولكن ماذا يعمل مسلم، والإسلام قيد الفتك؟!.
صحيح إن مسلماً قد فوّت أكبر فرصة سياسية وذهبية لقلب المعادلة لصالحه وصالح الإمام الحسين سلام الله عليهما مادياً، ولكنها لم تكن الفرصة الذهبية إسلامياً، بل كانت بعيدة عن روح الإسلام؛ فقد نقل مسلم (رضوان الله عليه) حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيه: إن الإسلام قيد الفتك؟!
فالغلبة المادية بالفتك ليس فيها بقاء الإسلام الذي هو فوق تلك الغلبات، فما عمله مسلم بن عقيل رضوان الله تعالى عليه كان عملاً بالسنة وهو أحسن الأعمال.

ـ هناك رواية صحيحة السند ورواتهما کلهم ثقات، عن الحسن بن محبوب يقول: «عَنْ رَجُلٍ منْ أَصْحَابنَا عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانيِّ قَالَ: قُلْتُ لأبي عَبْد اللَّه سلام الله عليه : إن لنا جاراً من هَمْدَانَ يُقَالُ لَهُ الْجَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وهُوَ يَجْلسُ إلَيْنَا فَنَذْكُرُ عَليّاً أَميرَ الْمُؤْمنين سلام الله عليه وفَضْلَهُ فَيَقَعُ فيه، أَفَتَأْذَنُ لي فيه؟ قَال: فَقَال: يَا أَبَا الصَّبَّاح أوَ كُنْتَ فَاعلاً؟ فَقُلْتُ: إي واللَّه لَئنْ أَذنْتَ لي فيه لأرصُدنَّهُ، فَإذَا صَارَ فيهَا اقْتَحَمْتُ عَلَيْه بسَيْفي فَخَبَطْتُهُ حَتَّى أَقْتُلَهُ. قَالَ: فَقَال: يَا أَبَا الصَّبَّاحِ هَذَا الْفَتْكُ وقَدْ نَهَى رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله عَن الْفَتْك، يَا أَبَا الصَّبَّاحِ إنَّ الإسلامَ قَيَّدَ الْفَتْكَ»(4). وإذا اعتبرنا الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع، وقلنا ـ کما قال جمهرة من الفقهاء ـ إن رواية أصحاب الأجماع عن المجهولين لا تضرّ بصحة السند، فإن هذا السند يعتبر صحيحاً. علی أن هناك روايات عديدة بهذا المضمون في هذا المجال والرواية المتقدمة أحدها.

فالقتال والدفاع عن النفس والمبارزة في الميدان مفهومة من قبل الإسلام، أما الغدر فلا يجوز أبداً حتی في ساحة الحرب والجهاد، وهذا ما تشهد به الکتب الفقهية کالجواهر والرياض وشرح اللمعة وغيرها. أجل إن الحرب خدعة والخدعة جائزة في الحرب، ولکن الغدر غير الخدعة. فالخدعة تکون والحرب قائمة، أما أن تقتل رجلاً جاء لزيارتك فهذا ليس من شيم الإسلام. ويمکن تصور الخدعة أثناء الحرب کما لو تخلق أجواء خاصة في صفوف العدو بالصراخ وغيره. ومن الأمثلة علی ذلك ما حدث في حرب الجمل، عندما صاح الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه بأعلی صوته والحرب محتدمة: «يا محمد بن أبي بکر، انظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها»(5)، وکانت عائشة تقود الجيش المعادي فتصوروا أن عائشة إما سقطت وإما هي توشك أن تسقط، فتفرقوا عنها وانهزم الجيش. وهذه تسمی خدعة، أما الغدر فهو أن تعطي الأمان لخصمك ثم تفتك به وهذا ما لا يجوز.
صحيح أن ابن زياد كان من أشرّ الناس، ولکنه لم يأت إلی بيت هاني بصفته محارباً بل جاء بعنوان الزيارة؛ ولذلك لم يقتله مسلم غيلة، وهاهنا تکمن عظمة مسلم التي يقف حتی التاريخ إجلالاً لها.


:. من أفضل الأعمال تعلم علوم أهل البيت وتعليمها

إن من أفضل الأعمال هو تعلم علوم أهل البيت سلام الله عليهم وتعليمها للناس، وهذا العمل يعد بالنسبة لنـ أهل العلمـ أفضل الأعمال ومصداقًا لقول الإمام السجاد سلام الله عليه :«أفضل الأعمال ما عُمل بالسنة»، فإن کان في مجال الواجبات ـ أي من العلوم التي يجب تعلمها وتعليمها ـ فهو أفضل الواجبات، وإن کان في مجال المستحبات فهو من أفضلها أيضاً.


:. نموذج لأفضل الأعمال

قبل أن أذكر نموذجاً لأفضل الأعمال، تعالوا نقرأ معاً ما جاء في رواية عبد السلام بن صالح الهرويـ نسبة الی هراة من مدن أفغانستانـ المکنی بأبي الصلت، حيث کان خادماً للإمام الرضا سلام الله عليه، ولکن کل فقهاء الشيعة، والسنة أيضاً، يخضعون إجلالاً له. فهذا الخادم الذي في هذا المستوی من المکانة يروي الحديث التالي عن الإمام الرضا سلام الله عليه، والحديث صحيح لأن بقية رجال السند ثقات أيضاً، يقول فيه:
(سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا. فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلّم علومنا و يعلّمها الناس) (6).

وأما نموذج أفضل الأعمال فهو: كان محمد بن مسعود العياشي من علماء الطائفة المعروفين والعظام، کان يعيش في بغداد، وکان معاصراً للشيخ الکليني وربما أسبق منه فيکون من المعاصرين لأواخر الغيبة الصغری. کان الشيعة يومذاك أقلية من ناحية العدد، وکان محمد بن مسعود العياشي من علماء العامة آنذاك ـ کما ذکر ذلك المؤرخون ومنهم الميرزا حسين النوري (رحمه الله) في خاتمة المستدرك ـ وقد ألف کتباً عديدة تأييداً لمذهبه آنذاك، وکان هناك شاب شيعي من علماء الشيعة الذين لم يذکرهم التاريخ ـ والذين سيکشف عنهم وعن دورهم في يوم القيامة ـ استطاع أن يغيّر فکر محمد بن مسعود العياشي ويحوّله عن مذهبه ويجعله شيعياً ومن أتباع أهل البيت سلام الله عليهم، حتی ذکر أصحاب السير والتراجم أن مسعود العياشي (أي الأب) کان من التجار الکبار وورث منه ابنه محمد وهو العياشي المعروف ثلاثمئة ألف دينار أي أکثر من طن من الذهب، أنفقها کلها في سبيل نشر مذهب أهل البيت سلام الله عليهم.
لاشك أن الشخص أوالأشخاص الذين کانوا وراء تغيير عقيدة العياشي عملوا بأحسن الأعمال، فلقد استطاعوا أن يغيّروا عالِماً مع أن العالِم لايتغيّر بسرعة، فليس هو کالإنسان العادي يتغيّر في جلسة أوجلستين، مضافاً إلى أن تغيير العالِم يعني تغيير العالَم، لأن العالِِِم اذا صلح صلح العالم، كما هو الحقيقة. أفلا يکون عمل من غيَّر العياشي وأمثاله أفضل الأعمال؟!


:. السيد البروجردي نموذجاً

کان المرحوم السيد البروجردي (رضوان الله عليه) زعيم الحوزة العلمية فی مدينة قم المقدسة بعد مؤسسها المرحوم الشيخ عبدالکريم الحائري، ولعل العشرات بل المئات من الأفاضل الموجودين الآن في قم حضروا درسه أو التقوه، وهذه القصة التي أرويها عن أحوال السيد البروجردي مدوّنة في تاريخه، ونُقلت عنه کثيراً، وممن نقلها مراراً السيد مصطفی الخونساري رحمه الله، وکان ملازماً له.
کان السيد البروجردي رحمه الله، يدرّس الأصول في مسجد «عشق علي» عصراً ، وفي أحد الأيام وبينما السيد يلقي الدرس من علی المنبر وجّه أحد التلاميذ الحاضرين إشکالاً علی الموضوع الذي کان يطرحه السيد. فأجاب السيد علی الإشکال، ولکن التلميذ استشکل مرة أخری، وأجاب السيد أيضاً، ولکنه احتدّ هذه المرة في کلامه بعض الشيء، فسکت الشيخ.

يقول السيد الخونساري الذي کان ملازماً للسيد البروجردي قدس الله سره : کنت قد أتممت صلاة المغرب (في اليوم نفسه) ولم أصلّ العشاء بعد، عندما جاءني خادم السيد وقال لي: يطلب منك السيد البروجردي أن تحضر عنده الآن. يقول السيد الخونساري رحمه الله : أسرعت الی السيد فرأيت التأثر والألم بادياً عليه، وکان واقفاً عند باب مکتبته متعجلاً قدومي فقال لي: لقد صدرت حدة في کلامي مع الشيخ الذي استشکل عليّ اليوم وأريد منك أن تأخذني اليه قبل أن أصلّي المغرب والعشاء لأعتذر منه، فلم يکن ما صدر مني صحيحاً (هذا وکان السيد البروجردي يومذاك مرجعاً عاماً للشيعة)!
يقول السيد الخونساري: قلت للسيد: إن الشيخ يؤمّ جماعة المصلّين في المسجد الفلاني في قم ثم يذکر بعض المسائل الشرعية للناس ويجيب علی أسئلتهم، فهناك أمامنا زهاء ساعتين ريثما يذهب الشيخ إلی بيته، فلأذهب الليلة وحدي إلی بيته وأخبره، لكي آتيکم صباح غد ونذهب سوية إن شئتم إلی منزله.

وهکذا حدَث، فلقد أخبرت الشيخ بالأمر ليلاً ، وفي الصباح الباکر ذهبت إلی حرم السيدة المعصومة سلام الله عليها کما جرت عادتي علی ذلك، ثم رجعت الی البيت وإذا بي أری السيد البروجردي راکباً في العربة مستعداً أمام بيتي ينتظرني للذهاب، وکان (رحمه الله) شيخاً لايستطيع المشي بسهولة، فرکبت معه العربة وانطلقنا إلی بيت الشيخ الذي ما إن سمع طرق الباب حتی أسرع إلی فتحه ورحّب بالسيد کثيراً. کيف لا وکان طالباً من الطلبة والسيد مرجع عام للشيعة، وربما کان الشيخ من مقلّديه.
يقول السيد الخونساري: عندما دخل السيد أمسك بيد الشيخ وهمّ بتقبيلها لولا أن الشيخ سحب يده بقوة وامتنع.
قال السيد: اعذرني علی شدتي في الکلام معك أمس، فما کان ينبغي لي أن أفعل ذلك.
فقال الشيخ: أنت سيدنا ومولانا ومرجع المسلمين وأنا أحدهم، وتوجّهك هذا إليّ فضل منك عليّ.
ولکن السيد البروجردي کرّر القول وطلب العفو والمغفرة.
ثم إنه لم تنقطع بعد ذلك علاقة السيد البروجردي مع الشيخ.

وهنا نسأل: اذا صدر من الإنسان شيء لم يکن ـ أو شعر أنه لم يکن ـ في محله، فلينظر ما هو المقتضی منه في السنّة؟ فإن عمل به فهو أحسن الأعمال. فلو لم يکن السيد البروجردي (رحمه الله) ممتلئاً بعلوم أهل البيت سلام الله عليهم لما وُفق لهذا التوفيق ببلوغ أحسن الأعمال.
ومن هنا نفهم أهمية الحديث المتقدم المروي عن الإمام الرضا سلام الله عليه والذي يقول فيه: «يتعلم علومنا ويعلّمها الناس».
وإذا ما عرفنا أن الجمع المضاف ظاهر في العموم كما يقول العلماء، فسيكون معنى العبارة کالتالي: «يتعلم کل علومنا». فمن عمل منا علی هذا الطريق وفق لأحسن الأعمال.


:. أحسن الأعمال في ليلة ويوم عرفة والعيدين

تصادف الليلة (التي نتحدث فيها عن أحسن الأعمال) ليلة عرفة وهي ليلة عظيمة ويومها أعظم من ليلها، وتصادف ليلة غدٍ ليلة عظيمة أيضاً وهي ليلة العيد وهي أفضل من يوم العيد (الأضحی).
وللإمام الحسين سلام الله عليه دعاء في يوم عرفة کما هناك دعاء للإمام السجاد وآخر للإمام الصادق سلام الله عليهما، ومن ُوفق لقراءة هذه الأدعية الثلاثة بتدبر فقد نال خيراً کثيراً لأنها کنوز عظيمة في الحقيقة. أما المرحوم الشيخ عباس القمي (صاحب کتاب مفاتيح الجنان) ـ ولکي لا يُثقل علی المتعبدين ـ ذکر من هذه الأدعية الثلاثة دعاء الإمام الحسين سلام الله عليه فقط. أما الأدعية الأخری ليوم عرفة فهي موجودة في البحار والکتب الروائية الأخری.
وعمدة الأعمال في يوم عرفة وليلتها ويوم العيد وليلة العيد (سواء في عيد الأضحی أو عيد الفطر) هي أن يتعلم المرء علوم أهل البيت سلام الله عليهم ويعلّمها الناس، ومن علومهم هذه الأدعية التي أشرنا إليها آنفاً، ويستحب أيضاً ـ کما جاء في بعض الروايات ـ زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه في يوم عرفة ويوم العيد، وهي أيضاً من علوم آل البيت سلام الله عليهم وهي مشحونة بمعارف التوحيد والنبوة والعدل والإمامة والمعاد، وصفات الله الثبوتية والسلبية، وما يجوز إطلاقه علی الله وما لا يجوز. فهذه الأدعية والزيارات المروية عن أهل البيت سلام الله عليهم هي أعظم باب وأوسع طريق لمعرفة الله تعالی ومعرفة أصول الدين.

ينبغي لنا أن نتعلم هذه الأدعية والزيارات ونفهم منها أصول الدين وأحکام الإسلام وآدابه وأخلاقه، ولا نکتفي بالقراءة فقط. فمن يتعلمها تتغير حالته ويکون عالماً حقاً.
فهناك بعض الناس يحاول التکبر علی کل شخص لمجرد أنه تعلم کلمتين أو درس مرحلتين أوطالع کتابين أو حفظ بعض المصطلحات، في حين تری مرجعاً بمستوی السيد البروجردي (رحمه الله) لايهدأ له بال قبل أن يذهب ويعتذر من تلميذه لمجرد أنه احتد معه في الکلام، ويری أن هذا الاعتذار أوجب الأعمال عليه وأحسنها بالنسبة إليه، حتی لقد قدّمها علی فضيلة أداء الصلاة في أول وقتها وعدّ وقت طلب العذر مقدّماً عليها، لأن أداء الصلاة في أول وقتها مستحب وليس واجباً ووقت الصلاة موّسع لايحاسب علی فواتها إن أدرکه الأجل خلال الوقت، أما تقديم الاعتذار والاستحلال من العباد فهو واجب فوري يحاسَب المرء علی ترکه إن لم يؤدّه وأدرکه الموت. فلو مات الإنسان في أول الوقت ولم يصلّ الفريضة التي حلّ وقتها لايقال له لِم لَم تؤدها؟ لأن الله سبحانه قد وسّع من وقت الصلاة، ولم يحصر وقت أدائها في أول الوقت، بل جعل لها الفضيلة في أدائها کذلك، ولايحاسَب المکلف علی الصلاة إلا إذا ترکها حتی فات وقتها، أما حق الناس فمطلوب علی کل حال.
وهذا الاستعداد (للاعتذار) عند السيد البروجردي مع مکانته الاجتماعية، لم يأت اعتباطاً بل هو نتيجة تربية وخلفية ضخمة أوجدت فيه هذه الحالة؛ فهل نحن مستعدون إن اقتنعنا بصدور خطأ منا في حق شخص ما أن نعمل الشيء نفسه الذي عمله السيد البروجردي مع أننا لم نبلغ مکانته؟
أسأل الله سبحانه وتعالی أن يجعلنا کذلك وأن يوفقنا ببرکة أهل البيت سلام الله عليهم للتحلي بهاتين الخصلتين (أحسن النيّات وأحسن الأعمال)، فإن النية وحدها لا تکفي.

 وصلی الله علی محمد وآله الطاهرين.


· ألقيت هذه المحاضرة في 8 ذي الحجة 1420 هـ.
(1) الكافي: 1 / 70 ح3.
(2) قال الإمام الرضا سلام الله عليه: «رحم الله من أحيى أمرنا». قيل: يا ابن رسول الله كيف يحيي أمركم؟ قال عليه السلام: «يتعلم علومنا ويعلمها الناس» عيون أخبار الرضا: ج1، ص317.
(3) بحار الأنوار: 44/ 344. وقرئ: قيّد الفتك. ولعله أبلغ، والقراءة الأولى أجمل.
(4) التهذيب: 10/ 214.
(5) بحار الأنوار: 32 / 182، باب وقعة الجمل.
(6) عيون أخبار الرضا: 1/317.