:: نص بيان المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) بمناسبة عاشوراء الإمام الحسين سلام الله
عليه عام 1425هجرية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير الخلق أجمعين محمد المصطفى وعترته الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
يطل علينا شهر محرم الحرام، شهر الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، شهر التضحيات الكبرى، وشهر مقارعة الحق
(متمثلا في الصفوة الطيبة من آل البيت وأصحابهم الأبرار) مع الباطل (متمثلا في الحكومة الأموية الظالمة وأتباعها من عبيد الدنيا).
وقد أسفرت هذه المواجهة غير المتكافئة ـ من ناحية العدة والعدد ـ عن إنتصار الحق وإندحار الباطل. وآثار هذا الإنتصار واضحة في كل زمان ومكان وخاصة في شهري محرم وصفر، وبالأخص في يوم عاشوراء.
فهذا هو إسم الإمام الحسين عليه السلام يطبق أطراف الدنيا، وهذا هو عَلَمه الخفاق يرفرف في كل بقعة، وهذا هو خطه ـ الذي هو خط رسول الله وأمير المؤمنين عليهما وآلهما الصلاة والسلام ـ يزداد في كل يوم إنتشارا وتألقا، وهذه هي المجالس تعقد باسمه من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وهؤلاء هم الالوف والالوف من الخطباء، والشعراء، والكتاب يرددون إسمه الشريف، وهذه هي الملايين تهتدي إلى سبيل الحق ببركته.
وبذلك تحقق وعد الله تعالى للإمام الحسين(عليه السلام) بالإنتصار، وقد نقلت
الأحاديث الشريفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما ذكرته عقيلة الهاشميين
زينب الكبرى (عليها السلام) للإمام السجاد (عليه السلام): «وينصبون لهذا الطف
علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي
والإيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا
ظهورا، وأمرهإلا علوا»(1).
كما تحقق وعيد الله ـ المنتقم ـ لأعداء الإمام الحسين(عليه السلام) بالبوار، وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال:
«لما قتل جدي الحسين (عليه السلام) ضجت الملائكة إلى الله عزوجل بالبكاء والنحيب... فأوحى الله عزوجل إليهم: قروا ملائكتي فوعزتي وجلالي لأنتقمن منهم ولو بعد حين»(2).
وفي هذا المجال تجدر الإشاره إلى الامور التالية:
الأول: أن نتعلم من الإمام الحسين (عليه السلام) دروس الإعتماد على الله تعالى، والعزة، والتضحية، والأخلاق، وكل فضيلة.
أما الإعتماد على الله سبحانه، فقد روي أن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء ـ رفع يديه إلى السماء وقال:
«اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة»(3).
وأما العزة فقد روي أنه (عليه السلام) قال: «من أقر بالذل طائعا فليس منا أهل البيت»(4). وقال في يوم عاشوراء ـ في خطبة له ـ:
«ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين إثنتين، بين الذلة والسلة، هيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وانوف حمية، ونفوس أبية»(5).
وأما التضحية، فقد ضحى (عليه السلام) في سبيل الله تعالى، بنفسه الكريمة، وباسرته الميامين، حتى الطفل الرضيع، كما وضحى بأصحابه الأخيار. وقد ورد في التوقيع الرفيع في زيارته عليه السلام:
«السلام على عبد الله بن الحسين الطفل الرضيع والمرمي الصريع، المتشحط دما... المذبوح في حجر أبيه»(6).
وأما الأخلاق فيكفي موقفه تجاه الحر وأصحابه، حيث إعترضوه في كتيبة مدججة بالسلاح مؤلفة من ألف فارس ليسلموه إلى إبن زياد، لكنه عليه السلام لما رآهم عطاشى قال لأصحابه:
«إسقوا القوم وأرووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا»(7).
وكلما كانت نسبة التعلم من الإمام الحسين عليه السلام أكثر، كان القرب إليه أكثر.
الثاني: أن نحاول تحقيق أكبر قدر ممكن لواحد من أسمى أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته المباركة، وهو (إنقاذ
عباد الله) ـ بما لهذه الكلمة من معنى واسع ـ
فد ورد في الزيارة المروية عن الإمام الصادق عليه السلام، وهو يخاطب الله تعالى بشأن الإمام الحسين عليه السلام:
«وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»(8).
ويتم ذلك بالإستفادة من موسم عاشوراء ـ بكل الوسائل المتاحة والمشروعة ـ لهداية الناس في جميع أنحاء العالم عبر المجالس، والمواكب، والمسيرات، وغيرها، وبعقد المجالس الحسينية على إمتداد السنة لهذه الغاية.
الثالث: التعبئة المركزة ـ في هذه المناسبة العظيمة ـ لإنقاذ بلد الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين وسائر الأئمة الأطهار ـ عليهم جميعا صلوات الله ـ (العراق المظلوم) من المآسي التي يمر بها الآن، بعد ما قضى عقودا سوداء تحت أقسى أشكال الوحشية والإستبداد، وذلك بتهيئة الأجواء المناسبة لإجراء إنتخابات حقيقية وعادلة وشاملة وعاجلة، لينعم الجميع بحرية الإسلام الصادقة وبمبادئه الإنسانية، التي أكد عليها القرآن الحكيم، وجسدها عمليا رسول الله وأمير المؤمنين والإمام الحسين وسائر الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام، في شتى أبعاد الحياة: العلمية، والسياسية،والإقتصادية، والثقافية، والتربوية، والإجتماعية، والعسكرية، وغيرها، والله المسؤول أن يوفق الجميع لذلك كله بحسن التعايش، وتوحيد الكلمة، وهوالموفق المستعان.
الأول من شهر محرم الحرام 1425هـ
صادق الشيرازي
|