الظلاميّون


حلقات من سلسلة واحدة ـ 2


بقلم: فضيلة الشيخ علي أكبر مهدي پور**
ترجمة: عبد الرضا افتخاري
العداء مع العلم وإحراق الكتب
من الجرائم العظيمة التي ارتكبها أعداء الشيعة وما أكثرها على مدى التاريخ، إحراقهم كتب الشيعة في جميع أنحاء العالم، نذكر منها على سبيل المثال:
1. مخازن كتب الخلفاء الفاطميين بمصر، التي ذكرها المقريزي في خططه وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مئتي ألف كتاب من المجلدات وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر فأحرقها أعداء الشيعة تأوّلاً منهم أنّ فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم، سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار، وبقى منها مالم يحرق وسفت عليه الرياح التراب، فصار تلالاً باقية الى اليوم في نواحي آثار تعرف بتلال الكتب(1).
2. مخازن كتب الشيخ الطوسي بالكرخ وقد كان فيها ثمانون ألف مجلّد، أحرقت كتبه على مراحل بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، كما ذكره ابن حجر العسقلاني(2).
3. مخازن كتب سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحرّرة، واحترقت فيما أحرق من محالّ الكرخ عند ورود طغرل بك، أول ملوك السلجوقية إلى بغداد سنة 447هـ(3).
ولعل الأسقف الأعظم حين أمر بإحراق ثمانين ألف كتاب في طليطلة بعد احتلالها سار على خطى هؤلاء إذ لا يتابعهم إلا الشيطان وأتباعه.
4. مخازن كتب جبل عامل، التي نعرف منها اثنتي عشرة مكتبة، كانت عامرة مملوءة بالكتب القيمة، نهبها أحمد باشا الجزار في سنة 1175هـ وحملها الى عكاء وأعطاها للطباخين والخبازين، حتى يوقدوها في أفرانهم، فأوقدا بها طيلة ستة أيام(4).
5. مخازن كتب الحجاز، وكانت من أثمن المكتبات في العالم، أحرقتها الهمجية السعودية بمكة والمدينة، ومنها على سبيل المثال: المكتبة العربية التاريخية ـ العلمية، التي أحرقوها، وكانت شاملة على 60000 من الكتب النادرة، وفيها 40000 مخطوطة نادرة أيضاً، وكان بعضها بأقلام مجموعة من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود(5).
ومن هنا فقد اشتهر عند المحققين أنّ الشيعة تدوّن العلم وتنشئ المكتبات.. وأعداؤهم يحرقون الكتب والمصنّفات أو يغرقونها في الأنهار. كما أنشأت الحكومات الشيعية ـ من الفاطميين والبويهيين وغيرهم ـ دور الكتب وأسّست المكتبات الكبيرة الراقية، ثم أحرقها صلاح الدين الأيّوبي والسلاجقة السائرون على منهجه وعلماء نجد الذين تحوّلوا الى قتلة سفّاحين يقتلون النساء والأطفال، ويحرّقون الدور والزروع، ويهلكون الحرث والنسل، ويسيئون إلى كل من يجدونه محبّاً لآل محمد صلوات الله عليهم.
أما الوهابية
فالحديث عنهم ذو شجون، وتاريخهم يعجّ بالفجائع والمآسي. فطالما ولغوا في الدماء وهتكوا الأستار، وكانوا لا يشفقون على صغير ولا يبقون على أسير، فكم من جريح أجهزوا عليه، وكم من شيخ كبير كبّلوا يديه، وكم من قوافل للحجيج أغاروا عليها وقتلوهم شرّ قتلة ومثّلوا بالجثث والأشلاء أشدّ مثلة.
وكأنّهم نسوا أو تناسوا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يبعث سرية حيث يدعوا أصحابها فيجلسهم بين يديه، ثم يقول لهم:
«سيروا باسم الله، لا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً ولا امرأة. ولا تقطعوا شجراً، إلا أن تضطرّوا اليها».
فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يتحرّى أقلّ قدر ممكن من القتل والأسر في حروبه الدفاعية.. فضلاً عن التخريب أو الإبادة.
قيل إنّ جميع القتلى في كل المواجهات التي بلغت ثمانين لم تزد على ألف وثمانية عشر شخصاً.
ذكر الدكتور حميد الله: أنّ محمداً صلى الله عليه وآله مع أنه استولى على أكثر من مليون ميل مربع، ممّا يعادل كل اوربا ـ باستثناء روسيا ـ ومع أنه كان يسكن هذه المنطقة ملايين من البشر، لم يُقتل في كل حروبه من طرف المسلمين إلاّ مائة وخمسون مسلماً.
عن أبي سعيد الخدري: وُجد قتيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج مغضباً حتى رقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«يُقتل رجل من المسلمين لا يُدرى من قتله؟ والذي نفسي بيده، لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن، أو رضوا به، لأدخلهم الله في النار، والذي نفسي بيده لا يجلد أحد أحداً إلا جُلِد غداً في نار جهنم مثله».
من البديهي أن العنف والوحشية من طبائع السباع والحيوانات المفترسة لا من خصال الإنسان الذي كرّمه الله وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلاً.
الوهابيون ومعاداة العلم
سردت الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها «أرض المعجزات» ـ والذي يمثّل ذكريات سفرها إلى أرض الحجاز ـ نماذج كثيرة عن محاربة الوهابيين للعلم.
ومن النماذج التي وقعت في عصرنا، قصّة صدور كتاب «أبو طالب مؤمن قريش»؛ فقد بقي مؤلّفه الشيخ «عبد الله الخنيزي» ـ وهو باحث شيعيّ قطيفيّ ـ في السجن لمدّة سبع سنين بأمر من مدّعي عام القطيف الذي طالب بإعدامه بعد تلك المدّة، ولم يُنقض ذلك الحكم إلا بعد مساعي مراجع الشيعة في قم والنجف، وكأنّ الحكومة السعودية لم تصدّق أنّ عهد محاكم تفتيش العقائد قد ولّى إلى غير رجعة، وأنّه لا يمكن بعد الآن إعدام باحث أو محقّق بجريمة تأليف كتاب علميّ.
إنّنا نشهد كلّ عام تشدّد السلطات السعودية وتشديد موظفي الجمارك عندهم على حجّاج بيت الله الحرام؛ خشية أن يدخل البلاد كتاب علميّ حديثيّ أو تاريخيّ، فيكون سبباً في توعية الشعب هناك.
الوهابيّون ومحاربة الإسلام
ينصبّ جلّ اهتمام الحكومة السعودية على المحاربة الشاملة للإسلام والمسلمين. يقول الدكتور عصام المتخرّج من جامعة «محمد بن سعود» في الرياض:
«لقد درستُ عند شخصٍ يسمّى (المدخليّ)، فكان عنده زهاء مئة كتاب في سبّ ولعن شخصيات كبيرة من أمثال: محمد عبده، وسيّد قطب، والغزالي، وآية الله الخوئي و.. ولم يكن عنده حتى كتاب واحد في الردّ على الماركسية أو البهائية أو البوذية أو الصهيونية والمدارس الإلحادية الأخرى».
ويقول أيضاً: «ودرستُ عند (ابن باز)، فكان يسوّغ جرائم يزيد ومعاوية، ويوجّه سيل هجماته الحادّة على الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والإمام الحسين سلام الله عليهما».
ويضيف: «في جامعة محمد بن سعود ما يقرب من (1000) رسالة دكتوراه في تكفير الشيعة، بينما لم أر في الحوزات العلمية للشيعة حتى مورداً واحداً في تكفير أهل السنة».
يتبع ...


الظلاميون.. حلقات من سلسلة واحدة ـ 1


* مؤلّف ومحقق ومن فضلاء الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة.
(1) الخطط المريزية، ج2، ص165.
(2) لسان الميزان، ج5، ص153، رقم 452.
(3) معجم البلدان، ج1، ص534.
(4) تاريخ جباع، لعلي مروة، ص29.
(5) تاريخ ال سعود، ص181.