بسم الله الرحمن الرحيمفي ذكرى رحيل العالم الأمةبقلم:أ/غريبي مراد(*) هناك أناس قد تكن سمعت عنهم و لم تلتق بهم، لكن عشت دوما أمنية الاجتماع معهم لما وصلك من خصالهم و روحهم الطيبة المباركة، لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها تآلف، حيث ذات يوم التقيت بأحد معارفي من المؤمنين و تباحثت مع سماحته هذا الحديث، فروى أنه قرأ في أحد المصادر أن من معانيه: ترتفع الأرواح عند النوم في العلى، و عندها تلتقي مع بعضها و تتعارف في عالم الملكوت، و لما يرجع الروح لعالم الملك، يحصل أن الإنسان يلتقي بأشخاص لا يعرفهم أبدا لكنه يرتاح لهم...هذا المعنى مفعم بالصفاء الروحي و ما للبعد المعنوي من تأثير في حياة الإنسان و مستقبله بحسب قيمتي التعارف و التناكر التي تصبغ علاقات روحه مع عالم المعنى و المبنى في وجوده...إنطلاقا من هذا المعنى، هناك شخص جميل جليل نقي تقي عالم عامل، عرفته بروحي و شاء الباري عز وجل أن لا نجتمع، ببضع شهور من رحيله عن دنيا الناس ، و الله يفعل ما يريد، إنه العلامة آية الله الجليل المقدس الشيرازي (رض)، كنا نلتقي يوميا من خلال دروسه و محاضراته عبر الأنوار و النت، كانت روحي تنتقل عبر الآفاق لتستلهم من عبق جنان العلم الإسلامي(العقائد، الأصول ،الفقه، السير، الاقتصاد، السلوك) فالتوحيد في حديث المقدس الشيرازي لا يتوقف عند البعد العقائدي البحت بل ينزل بنا لآفاق الحياة و هكذا مباحث العقيدة الإسلامية الأخرى و مسائل التاريخ و العرفان و علم الكلام ، أما عن الأخلاق فحسبي كلمة صديق لي من العامة يوم تابع معي محاضرة للعلامة السيد محمد رضا الشيرازي (رض) حول تفسير سورة آل عمران، قال لي مبتهجا بمنهج الإمام المقدس (رض): "إن هذا العالم الجليل، يكفي نقي السريرة أن يحبه بمجرد أن ينظر لبهاء وجهه دون أن يسمع أحاديثه، إنه ببساطة إنسان رباني بإمتياز"،و لا يمكننا أن نقول على قوة شخصية المقدس الشيرازي أنها كاريزما كما هو متعارف في لغة العصر، و لكن بلغة القرآن إن آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (رض) أمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، أمة بسيرته و علمه و التجديد الرسالي في الحركة الإسلامية الذي أحدثته في فترة وجيزة، لقد كان أمة ً رفعت معدل الوعي الإسلامي بالمسؤولية الإسلامية الأصيلة من خلال الإعلام و المواقف و الرزانة و الحكمة و البسمة في تأسيس المجتمع الإسلامي الجديد المناسب لاستيعاب التحديات الشركية و التكفيرية و الافسادية على مستوى الفكر و النفس و العلاقات و المستقبل، فالإمام المقدس (رض) عندما يتحدث عن الإمام المهدي(عج) يفيق فينا الفطرة و يستنهض القوى الإيمانية حتى نستوعب شخص الإمام المنتظر خاتم الأوصياء (عج) بحضور قلبي و إسلامي، دون الاستغراق في المادية التي تربك القلوب و تنشر الشكوك، لقد كان فريدا في أسلوبه التعليمي و الإرشادي و في منطقه الجدالي المهذب، لقد شكل لنا صورة للشخصية الإسلامية المنطلقة من روح القرآن لعالم الإمكان لتقوّمه بما يؤسس لدولة العدل و القسط... بصراحة: هذه السطور لا تفي لذكر آفاق المقدس الشيرازي، لقد سمعت من العديد ممن كانوا قريبين منه، لكنني عرفته روحيا و فكريا و تطلعا لغد إسلامي مشرق،ومهما شرحت لكم فيبقى الحال كما يقال: ليس كل ما يوصف يدرك، فالمقدس الشيرازي كان طاهرا نقيا، نسبا و شخصيةً و علما و إسلاما و حركةً، فلابد لمن يطمح لمعرفته -رضوان الله عليه- أن يستحضر سيرته بتواضع و تمعن، لأن هناك أضواء عديدة في حياته قدس سره، تبعث نورا رساليا للشباب المسلم من كل المذاهب الإسلامية، لأن الإمام المقدس اقتبس من كل إمام من أئمة الهدى (ع) فاختصر الولاء بأن نحب حب الإسلام الأصيل، فأحبه الموالون و العامة و الإنسان ككل، لأن المقدس كان شديد الاقتداء بالنبي محمد (ص) و حريص على بلوغ منتهى رضا الله فالسلام عليه يوم ولد و يوم توفي و يوم يبعث حيا، و لا جعله الله آخر العهد مني إليك أستاذي و أخي و حبيبي، بالمختصر لقد ترجم رحمة الله عليه حقيقة دور المسلم الرسالي في الحياة، لذلك علينا أن لا نحتكر الإمام المقدس في الدائرة المذهبية أو الشيرازية لأنه إنسان كامل خالد بإيمانه و تضحياته و علمه فليكن للإنسانية ككل، لأن خير الله للجميع و أولياء الله خير فليبقوا للعالمين...و الله من وراء القصد. (*)كاتب وباحث إسلامي |