بسم الله الرحمن الرحيم


ضوابط وأسس العلاقات الخارجية
في منظور الإسلام

شبكة النبأ: مع التطور المتسارع لميادين الحياة كافّة، بات التخطيط المسبق وفق مناهج علمية واضحة أمراً لا مناص منه، من أجل مواكبة التسارع المذكور، لاسيما في الميدان السياسي، كونه المؤثر الأكبر في عموم ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها، ومن بين الحقول المهمة في ميدان السياسة، حقل العلاقات الخارجية، ومن ضمنها تنظيم طبيعة هذه العلاقات ومساراتها، بما في ذلك قضية الحروب واعلانها أو الكف عنها، وقد اهتم الإسلام بهذه الأمور اهتماماً واضحاً، وأكد على ضوابط محددة وواضحة في هذا المجال، من بينها شخصية القائد السياسي، ودرجة التزامه بشروط القيادة التي تقف في مقدمتها عدم مصادرته الحريات في جميع الظروف، وأن لا يختلق الذرائع والتبريرات لمصادرتها.
في كتابه القيّم الموسوم بـ(السياسة من واقع الإسلام)، يقول سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بهذا الخصوص: (إنّ القائد المسلم الذي يمارس الإرشاد والتوجيه وسوق العباد نحو عبادة الخالق وحده، يجب أن يلتزم بشروط، في مقدمتها منح الحرية للناس بجميع أشكالها).
العلاقات مع الدول الاخرى
إن الحفاظ على حريات المجتمع، تعني تطوره واستقراره بالضرورة، وهذا الاستقرار سيؤدي إلى إقامة علاقات خارجية ناجحة أيضاً، تُراعى فيها مصلحة المسلمين وفقاً للشروط الإنسانية التي لا تغبن حق الآخر، ولا تثلم من حقوق المسلمين أيضاً، بمعنى يجب أن تكون هناك موازنة دقيقة، بين الحفاظ على الشروط الإنسانية التي وردت في التعاليم الإسلامية، وبين الحفاظ على حقوق المسلمين، لهذا وضع الإسلام ضوابط واضحة في إقامة العلاقات الخارجية مع دول العالم كافة، استناداً إلى مصلحة المسلمين، مع مراعاة حقوق الآخرين سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دولاً.
في هذا المجال يؤكد سماحة المرجع الشيرازي، في كتابه نفسه على أن: (الدول الكافرة التي أخرجت المسلمين من ديارهم، مثل إسرائيل، لايجوز للمسلمين إيجاد العلاقات معها، وأمّا الدول الكافرة المحايدة، فلا بأس للمسلمين في أن يشدّوا معهم روابط، ويكوّنوا صداقات، ويبرّوا ويحسنوا إليهم).
والأسباب تبدو واضحة جداً، وتدخل ضمن إطار قضية الدفاع المشروع عن النفس، فالامتناع عن إقامة علاقات خارجية مع دولة مثل اسرائيل تجاوزت ولا زالت على حقوق المسلمين، يبدو أمراً مبرراً تماماً، ويدخل ضمن الخطوات الرادعة للدول التي تحاول أن تغمط حقوق الآخرين من دون وجه حق.
ضوابط لخوض الحروب
تدخل الحرب كمصطلح سياسي ضمن حدود العلاقات الخارجية بين الدول، فهذه العلاقات قد تأخذ بعداً دبلوماسياً، أو أبعاداً اخرى، كما يحدث في ميادين التجارة والاقتصاد والثقافة والتعليم وسوى ذلك، لكن تبقى الحروب وسيلة واضحة لتحقيق اهداف سياسية مخطّط لها مسبقاً، ولأهمية هذا الجانب وضع الإسلام بنوداً وضوابط تتعلق بالحرب وفروعها وإفرازاتها الكثيرة، فهي وإن كانت تدخل ضمن إطار العلاقات بين الدول لكنها تأخذ مساراً عنيفاً لتحقيق الأهداف، لهذا تتطلب معالجات وضوابط واضحة، طالما ان المجتمع الدولي لا يستطيع تحييدها أو القضاء عليها، كوسيلة إكراه تستخدمها الدول في علاقاتها، وهكذا وضع الإسلام ضوابط وسلوكيات أقرب إلى القيم الاخلاقية تهدف إلى جعل الحرب مكبّلة وليست مطلقة، بمعنى هناك ضوابط تحكمها للحد ما أمكن ذلك من أضرارها ومخاطرها الكبيرة، يقول سماحة المرجع الشيرازي، حول بعض هذه الضوابط في كتابه المذكور: (الغدر في الحرب منهي عنه، مع أنّه كثيراً ما يُسرِّع الإنتصار العاجل، ومع أن السياسة العالمية المعاصرة مبتنية على الغدر غالباً).
فحتى لو كانت السياسة العالمية المعاصرة تستسيغ الغدر، بل هي قائمة عليه كما يقول المرجع الشيرازي، لكن الإسلام يمنع الغدر كإسلوب مجافي لفطرة الإنسان، حتى لو حدث ذلك في النزاعات التي تحدث بين اطراف متحاربة، بمعنى لابد أن تكون هناك تقاليد يُلتزَم بها، حتى في الحروب، طالما أن الطبيعة البشرية لم تستطع حتى الآن من مغادرة اسلوب الحرب، ولم تصل حتى اللحظة إلى درجة التحضّر، التي تجعل الحوار هو البديل الامثل للحروب.
ضوابط إسلامية سامية
ولم يتوقّف الإسلام عن مضاعفة القيم الضاغطة على الحرب، والتي تحاول الحد من مخاطرها بأقصى ما يمكن، مثلما نهى عن الغدر مهما كانت المبررات، وضع ضابطاً آخر يتعلق بقضية طالما أساءت لإنسانية الإنسان، وألقت به في الدرك الحيواني الأسفل، ذلك هو التمثيل بقتلى العدو، إن الحرب لا تعني أن يفقد الإنسان أخلاقه وقيمه وشرفه، فطالما ان الخلاص منها ليس مكفولاً بالكامل، فلتكن حرباً تُراعى فيها حرمة الإنسان، وهذا لب ما دعا اليه الإسلام، فقد أكد سماحة المرجع الشيرازي قائلاً في كتابه نفسه في هذا الخصوص: لقد (نهى الإسلام عن التمثيل بقتلى الأعداء، مهما كانوا، وأياً كانت أديانهم ومذاهبهم.. والتمثيل: هو تقطيع الأعضاء، والجوارح، وفقء العين، ونحو ذلك من الأمور المشوِّهة لجسم القتيل). ونقرأ لسماحة المرجع الشيرازي، في هذا الصدد أيضاً: (روي عن الإمام علي صلوات الله عليه أنّه كان ينهى الجيش عن التمثيل ويقول: ولا تمثلوا بقتيل).
الأهداف النبيلة للسياسة الخارجية
تبقى مراعاة القيم الإنسانية هاجساً مستديماً للإسلام، سواء في الحروب أو غيرها، ولابد للسياسة الخارجية أن تصب في صالح الإنسان، وطالما أن الارض تعاني من كثرة الضعفاء والفقراء كما يتضح من مؤشرات الواقع العالمي الراهن، فإن الإسلام راعى هذه المشلكة منذ زمن بعيد، ووضع معونة الضعفاء هدفاً هاماً لسياسة الدولة الخارجية، يقول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الصدد:
(من الأعمدة الثابتة في السياسة الخارجية للحكومة الإسلامية هو إنقاذ المستضعفين أينما كانوا، ومهما كانت أديانهم ومعتقداتهم، وإن كانوا غير مسلمين وكانوا مشركين، وعبّاد أصنام، وغير ذلك).
وهكذا أصبح الهدف الأهم هو نشر نوع من المساواة والعدالة بين بني البشر، يقوم أساسه على رفض الظلم ومحاربته، من خلال مقارعة أسبابه، المتمثلة بمساعدة الفقراء والضعفاء على رفع الظلم الملحق بهم من أية جهة كانت.
سياسة الدفاع عن النفس
ومن الضوابط الراسخة التي وضعها الإسلام لمواجهة كوارث الحرب، أنه رفض الشروع بشن الحرب رفضاً قاطعاً مهما كانت الأسباب، ووضع مبدأ الدفاع عن النفس هدفاً رئيساً لاستخدام السلاح أو العنف، ضد الطرف الذي يبدأ الحرب ويعلنها رسمياً، كما نقرأ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي: (الإسلام ينهى عن أن يبتدئ المسلمون بالقتال مع الكفّار الذين لم يسلّوا سيفاً على المسلمين، ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم، ويجيز قتال الكفّار الذين بدؤوا الحرب على المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم).
المسلمون هم الأفضل
وطالما أن الإسلام يؤكد الضوابط الإنسانية، في إدامة العلاقات الخارجية، فإن هذه المسؤولية تتطلب مجتمعاً إسلامياً مقتدراً ومتطوّراً في آن واحد، وينبغي أن يشمل التطور مجالات الحياة كافة، وهذه مسؤولية الحكومات والنخب التي تتصدر شرائح ومكونات المجتمع الاخرى، لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي بكتابه نفسه: (المسلمون يجب أن يكونوا أعلى من غيرهم في الاقتصاد، وفي الزراعة، وفي الاجتماع، وفي علم النفس، وفي فن الإدارة، وفي الحرب، وفي السلم، وفي التأليف، وفي النشر، وفي الصناعة، وفي الطب، وفي الهندسة، وفي الفيزياء، وفي الكيمياء، وفي الفضاء، وفي الذرّة، وفي غيرها.. من جميع المجالات).