بسم الله الرحمن الرحيم
الحاكم ومبدأ التعامل... من الحاشية والمقربين
شبكة النبأ: في غياب الدستور أو ضعف تطبيقه، غالباً ما يفسد الحاكم لوجود عناصر
الفساد بالقرب منه، كالحاشية والأقرباء والمقرّبين والمتزلّفين وغيرهم، فتبقى النفس
هي المصد الأول ضد المنزلقات إلى الحضيض، فإذا كانت ضعيفة ودنيئة وتفضّل امتيازات
الحياة على حقوق الناس، فإن السقوط في حضيض السلطة سيصبح أمراً مفروغاً منه، وسوف
يتحول الحاكم إلى العوبة بيد حاشيته، يستمع إلى نصائحهم بحجة حمايته من السقوط،
فيقرّبهم منه، ويترك لهم الحبل على الغارب، فيعيثون فساداً في الأرض، وحينها يصبح
تحت رحمتهم، فيغض الطرف عنهم وهو يعرف ويرى ويسمع بتجاوزاتهم، لكنه لا يعترض عليهم،
فيصبح الفساد محمياً من الحاكم وهو أعلى سلطة تنفيذية، تتعاون مع السراق والفاسدين
وذلك بعدم محاسبتهم خوفاً على العرش من السقوط.
أولوية الرغبات
التركيب المعقّد للنفس البشرية، يدفعها غريزياً نحو مصلحة الذات، وهو امر متعارف،
تحاول أن تصححه الاديان منذ هبوطها وانتشارها، وتعمل التعاليم الاسلامية على الحد
منه، والميل إلى الذات لاسيما لأصحاب المناصب والمسؤوليات يجعلهم أكثر عرضة من
غيرهم للانحراف، والسير في الطريق الخاطئ غالباً ما يحتاج إلى حماية مبطنة تحمي
السائر فيه من السقوط في مغبة الاعمال الخاطئة، لهذا يلجأ الحكام إلى البطانات
والاقارب لدعم منهجهم المنحرف، فيستشري الفساد على حساب الاغلبية من الناس، والسبب
دائماً هو ضعف الحاكم ودناءة نفسه، على خلاف ما ينبغي أن يتحلى به من رفعة وسمو
روحي يبعده عن اقتراف الصغائر، كما هو الحال مع قادة الإسلام العظماء.
يقول سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في
كتابه الثمين الموسوم بـــ(السياسة من واقع الإسلام) بهذا الخصوص: (لم يكن الإمام
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كحكّام الدنيا يجعلون الأولوية في
الرغبات لأقربائهم، فإذا فضل منها شيء جعلوها في سائر الناس. بل كان عليه السلام
فيما يتعلّق بعامّة المسلمين لا يفرّق أقرباءه عن غيرهم، وإنما كان ليساوي بينهم
وبين غيرهم في مختلف المجالات).
البداية بالنفس أولاً
إن السياسة الرشيدة تتطلب ارادة جبارة قادرة على الترفع على رغبات النفس، ولهذا
ينبغي على القادة والحكام أن يبدأوا بأنفسهم أولاً، في قضية الاصلاح ومحاربة الفساد
وما شابه من امور، وأن يراعي الحاكم مبادئ الدستور وأن لا يتقاطع معها، حتى لو كانت
تشكل مصدر ضغط عليه وعلى المقربين منه، فسياسة العدل هي الحل الامثل في معالجة
الاخفاق وحالات الفساد، وليبدأ القائد بنفسه وعائلته واقربائه أولاً في قضية
المساواة امام القانون.
ويذكر لنا سماحة المرجع الشيرازي في كتابه نفسه عن السياسة الرشيدة للإمام أمير
المؤمنين عليه السلام قائلاً: (هذه السياسة الإسلامية الرشيدة طبّقها الإمام أمير
المؤمنين عليه السلام على نفسه وعلى أقربائه قبل أن يطبّقها على سائر الناس،
ويطالبهم بالعمل عليها. فمن أراد سياسة الإسلام فليتعلم من علي بن أبي طالب تلميذ
رسول الله صلی الله عليه وآله وربيب القرآن، وحجّة الله على الخلق أجمعين).
وثمة روايات ودلائل تثبت هذه السياسة العظيمة التي تدل على ارادة جبارة وقدرة كبيرة
على التحكم بالنفس وليس العكس، حيث تتحكم النفوس الأمّارة ببعض الحكام، فيعيثون هم
وبطاناتهم فساداً في الارض، ويهزمون امام طمع النفوس وحبّها للمال والجاه وسواهما،
وقد أورد سماحة المرجع الشيرازي بكتابه نفسه، عدة روايات مسندة تؤكد عظمة الإمام
علي عليه السلام ومبدئيته في التعامل مع الاقارب والمقربين.
يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد بكتابه نفسه: (روى المؤرّخون: أنّه بعث
إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما
قيمته، فقالت لـه ابنته أم كلثوم: ياأمير المؤمنين أتجمّل به ويكون في عنقي؟ فقال
علي عليه السلام لخازن بيت المال أبي رافع: يا أبا رافع أدخله إلى بيت المال.
ثم قال لابنته: ليس إلى ذلك سبيل حتى لا تبقى امرأة من المسلمين إلا ولها مثل ما
لك. بنت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ينبغي لها أن لا تلبس ما لا تلبسه جميع
النساء المسلمات. وهل لهذه النادرة نظير في قاموس السياسة والسياسيين؟ وهل نساء
القادة يكون مستوى معيشتهن وملابسهن كأضعف نساء الشعوب؟ تلك هي سياسة الإسلام التي
ندعو العالم إليها، لينعم الجميع في ظل الكرامة الإنسانية التي جعلها الله للإنسان،
وخلق الإنسان لها).
القائد النموذج
ولابد أن ينطلق الحاكم في افكاره وسلوكه من مبدأ التأثير في الآخر، والنمذجة المهمة
التي يتطلع اليها عموم الشعب حيث يكون تأثير الحاكم واضحاً وقوياً بشعبه، لاسيما
اذا تميز هذا السلوك بالكمال والتمام والخلو من الاخطاء والفواحش وتشجع على
الاخلاقيات والمبادئ الحقة، لهذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على أعمال القائد
قائلاً في هذا المجال:
(القائد تكون أعمالُهُ درساً للشعب، ومنهاجاً للأجيال، ولذلك كان القائد متحملاً
لما يمارسه الشعب نتيجة تعلمه منه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. والحياة الشخصية
للقائد أدق مدرسة للأجيال المتمسّكة بذلك القائد، ولهذا كان من سياسة الإمام أمير
المؤمنين عليه السلام بناء حياته الشخصية على الإيمان والزهد).
والسبب كما هو واضح أن يشكل النموذج الامثل للشعب كي يسير بالاتجاه الذي يرضي الله
تعالى ويصب في الصالح العام، ولذلك لا ينبغي على الحاكم او المسؤول أيّاً كان منصبه
ومستواه، أن يستغل نفوذه في هذا المنصب لتحقيق رغباته، لانه سينساق إلى الخطأ آجلاً
أم عاجلاً، لاسيما أن البطانة والمقربين قد يدفعونه باتجاه الظلم ومجافاة العدل
والمساواة، لذا لابد من الزهد وقمع رغبات النفس غير المشروعة، يقول سماحة المرجع
الشيرازي بكتابه المذكور آنفاً:
(أربع سنوات أو أكثر قضاها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بين الكوفة والبصرة،
وهو الرئيس الأعلى للبلاد الإسلامية الواسعة الأطراف. خلال هذه المدة الطويلة لم
يشتر من مال المسلمين ثياباً لنفسه، ولم يأخذ من أموال البصرة والكوفة شيئاً لذلك.
بل ظل على ثياب المدينة كل هذه المدّة الطويلة، إلا إذا اشترى من عطائه الخاصّ
كأضعف مستضعف من مسلم آخر في طول البلاد الإسلامية وعرضها).
طريق الحياة الأمثل
ولم يتعلق الامر بالملبس او المظاهر وسواها، بل انسحب ذلك إلى طريقة الحياة نفسها،
أي كيف يعيش الحاكم وكيف يؤثر في شعبه نحو الافضل، فكانت حياته مثار اعجاب الجميع
لاستقامتها وبساطتها وخلوها من جميع مظاهر التبذير والابهة والخيلاء وما شابه.
يذكر لنا سماحة المرجع الشيرازي دعماً لهذا النهج المثالي, قائلاً: (في الوقت الذي
عمت الخيرات بلاد المسلمين وبفضل الإسلام، فكان المسلمون وغير المسلمين يرفلون في
نعيم من الطيبات. وكانت الكوفة عاصمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لا تجد بها
إلا المنعَّم من الناس. في مثل هذا الظرف تجد سيد الكوفة، وسيد البلاد الإسلامية،
وزعيم الإسلام: الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لا يأكل حتى ما يأكله أدنى
الناس).
وهكذا ينبغي أن يتعامل الحاكم بمبدئية عالية مع اقربائه ومعاونيه والمقربين منه،
لضمان طريق الحياة الذي يتسق مع الاعمال والاقوال والافكار التي تسعد الشعب وترضي
الله تعالى في وقت واحد.
|