خمس غنيمة الحرب بغير إذن الإمامبسم الله الرحمن الرحيمسماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته خمس غنيمة الحرب بغير إذن الإمامالقول الأول وأدلتهكان الكلام في خمس غنيمة دار الحرب التي يحصل عليها المسلمون في حرب لم يستأذنوا
فيها الإمام المعصوم سلام الله عليه حيث اختلف الأصحاب فيها إلى أربعة أقوال، وكان
القول الأول وهو قول المشهور: ان كل الغنيمة تكون من الأنفال ويعود جميعها إلى
الإمام سلام الله عليه لان الأنفال للّه والرسول ثم للإمام، وقد استدل له بثلاثة
أدلة تالية: فذلكة اصوليةهذا إذا كان القيد معتبراً وواضح المعالم سعة وضيقاً، وتمامية وشمولاً، فإنه
يقيّد المطلق، لا ما إذا كان القيد مشكوكاً وغير معتبر، أو كان غير واضح المعالم
ومشكوكاً من حيث السعة والضيق، والتمامية والشمول، فإن القيد في الموارد المشكوكة
لا يهدم إطلاق المطلق أبداً، بل يبقى المطلق على إطلاقه، ويُتمسّك به لنفي القيد،
وهذا ليس من موارد التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، إذ لو كانت الشبهة شبهة
مصداقية للعامّ، أو للمطلق، ولم تحرز كونها مصداقاً لهما، فلايصحّ التمسك بالعامّ
أو بالمطلق لنفيها، لا وإنما هو مصداق للمطلق ولكن الشكّ والشبهة في اعتباره وعدم
اعتباره، إو في تماميته وشموله، وسعته وضيقه، ففي مثله يكون إطلاق المطلق سالماً،
إذ الخاصّ لا يهدم عموم العامُّ أبداً إلاّ إذا استلزم تخصيص الإكثر، وكذلك القيد
لا يهدم إطلاق المطلق أبداً إلا إذا استلزم تقييد الاكثر. مرسل الوراق بناءً على الانجبارإذن: على هذا المبنى، لا مانع من تقييد إطلاق الآية الكريمة بهذه المرسلة، إذ بعد أنجبار سندها بعمل الأصحاب، لم يبق إشكال فيها يمنع من تقييد الإطلاق، وذلك لأنّ دلالتها على التقييد واضحة وصريحة، اُنظر «اذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام» ومن أجل ذلك نرى أن العلاّمة يوافق قول المشهور في هذه المسألة ويقيّد إطلاق الآية الكريمة بهذه المرسلة ويقول - كما في التذكرة، الجزء الخامس، الصحفة 441-: لقول الإمام الصادق سلام الله عليه: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام» مع أنه يعلم بكون الرواية مرسلة وقد صرّح أيضاً هو بإرسالها، إلا أنه لانجبارها بعمل الأصحاب اطمأن إليها اطمئناناً حمله على نسبتها رأساً إلى الإمام الصادق سلام الله عليه . خلاصة الكلام في مرسل الوراقوالخلاصة: أنه لا كلام في دلالة مرسل الوراق؛ إذ دلالتها صريحة وواضحة وليس فيها
خفاء ولا غموض، وإنما الكلام في سندها من حيث الإرسال، فإن لم نقبل الجبر السندي
رأساً ولم نقل به أبداً، فهذه المسألة تكون على هذا المبنى من موارد عدم الانجبار
ولايمكن الاستدلال بها، وإلا بأن قبلنا الجبر السندي وقلنا به ولو إجمالاً وعلى نحو
الأخصّ مطلقا، فإنّ هذه المسألة تكون من موارد الانجبار ويصحّ الاستدلال بها،
فنقيّد إطلاق الآية الكريمة ونقول: إن الغنيمة الحاصلة من حرب لم تكن بإذن من
الإمام المعصوم سلام الله عليه تكون جميعاً للإمام. الصحيح على طاولة النقدلا كلام في سند هذا الصحيح؛ إذ سنده معتبر وصحيح بلا إشكال، وإنما الكلام في دلالته، حيث أشكل البعض في الدلالة، وذلك من حيث الشرطية الموجودة في الكلام، اذ يقول سلام الله عليه: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم» قال المستشكل: فإنّ في هذه الشرطية جملتين: القتال على الغنائم، وكون القتال مع أمير أمّره الإمام، بينما في الشرطية الثانية جملة واحدة، إذ يقول سلام الله عليه: «وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين» فلم تكن الجملة الثانية التي كانت في الشرطية الأولى وهي: كون القتال مع أمير أمّره الامام، موجودة في الشرطية الثانية، فتكون الدلالة على كون الغنيمة كلها للإمام لأجل ذلك مورد إشكال. كلام الشيخ الأنصارى رضوان الله عليه في الشرطيةقال الشيخ الأنصاري في كتاب الخُمس المطبوع جديداً في الصحفة(362): «ولا يخفى عدم دلالتها (أي: صحيحة معاوية بن وهب) على المطلوب إلا إذا اعتبر مفهوم القيد في قوله: (مع أمير أمّره الإمام) مع تأمّل فيه أيضاً» فالشيخ الأنصاري قد سحب الكلام بقوله هذا: «إلا إذا اعتبر مفهوم القيد...» من مفهوم الشرط الذي نحن فيه إلى مفهوم القيد، مع أنه ليس الأمر كذلك، إذ قد قال العظماء من أهل الفنّ وفي موارد أخرى من الفقه والأصول: بأنه لو جيء بإن الشرطية - مثلاً - في الكلام، وجيء بعدها بعشرين قيداً، فإنّ كلّ هذه القيود العشرين التي تكون شرطاً في المنطوق، تكون شرطاً في المفهوم أيضاً، ولاتكون قيداً في المفهوم، يعني: إنّ القيود التي تأتي في سياق الشرط وفي ذيلها كما تكون شرطاً منطوقاً، كذلك يكون لكلّ تلك القيود مفهوم، وهذا المفهوم يكون مفهوم شرط أيضاً لا مفهوم قيد. فإذا قال المولى لعبده: «إن جاءك زيد مع أهله وعياله ولم يكن لهم مأوى وكانوا جياعاً - ومائة قيد آخر – فأكرمه» فإّن لكل من هذه القيود مفهوماًً، وهو مفهوم الشرط لا مفهوم القيد، إذ بمجرّد مجيء أداة الشرط في الكلام تنخرط كلّ القيود الموجودة في الكلام ضمن الشرط، بحيث إنه كلّما فُقد واحد من هذه القيود فُقد شرط المولى ولم يتحقّق الجزاء. ثم إنّ الشيخ الأنصاري بعد أن جعل مفهوم الشرط مفهوماً للقيد، تأمّل فيه قائلاً: (مع تأمّل فيه أيضاً) يعني: أنه قد تأمّل في كونه مفهوم قيد، أو تأمّل في أن يكون للقيد مفهوم. نقد كلام الشيخ الانصاري رضوان الله عليهإننا لو غضضنا الطرف عن كلام الشيخ الأنصاري وعن إشكاله في الشرطية، وأفرغنا
ذهننا من كل ذلك، ثم استعرضنا الصحيحة المذكورة وتأملنا فيها لرأيناها وافية
الدلالة وموفية بالغرض؛ فإنّ الإمام سلام الله عليه لما قال: «إن قاتلوا عليها
مع أمير أمّره الإمام عليهم اُخرج منها الخمس للّه ولرسوله، وقُسّم بينهم أربعة
أخماس» واكتفى بذلك، كان مفهوم هذا الكلام: بانهم إن لم يقاتلوا عليها بل
استسلم العدوّ من دون قتال، أو قاتلوا لكن لا مع أمير أمّره الإمام عليهم، بل من
دون إذن الإمام، ثم حصلوا على غنيمة، فإنّ تلك الغنية لم يكن فيها الحكم المذكور؛
إذ أداة الشرط في قوة التكرار عند كل جملة من جُمل الكلام المتعقب للشرط، والمشروط
عدم عند عدم الشرط، وهكذا يكون مفهوم الكلام مع ذكر الإمام سلام الله عليه جزءاً من
المفهوم لفظاً وعدم ذكره للجزء الآخر باللفظ فان ذكر الإمام جزءًا من المفهوم يكون
من باب التوضيح وليس أكثر. استنتاجبناءً على كل ذلك نستنتج أنّ الادلة الثلاثة كافية لتقييد إطلاق الآية الكريمة القائلة: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه» بكون الخمس إنما هو في غنيمة دار الحرب الحاصلة بإذن الإمام سلام الله عليه وأما التي حصلت من دون إذنٍ فليس فيها الحكم المذكور بل تكون جميعاً للإمام سلام الله عليه يضعها حيث يشاء. وعليه: فيكون القول الأول - وهو قول المشهور - هو المختار، لكن في ذلك كلام نؤجّله إلى بحث قادم بإذن اللّه تعالى. |