بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام السيد صادق الشيرازي
وأزمة الأخلاق المعاصرة*ـ2
الأستاذ الحسين أحمد السيد** ينبّه هنا سماحته
الطلاب في درس الفقه، وبحث الخارج ـ ولا يخفى عليك أنّ هؤلاء من كبار العلماء،
والخطباء ـ إلى مسألة الأخلاق في حياتهم، وما هم إلاّ الصورة الأفضل للمجتمع الفاضل
الذي ينشده الإسلام، ويدعو له السيد الإمام في جميع خطبه ومحاضراته الأخلاقية
الأسبوعية.
فيقول: هناك فروق بين الأخلاق والعلوم الأخرى، يحسن التكلّم فيها شيئاً.
1- الأخلاق بحاجة للجدِّ والاجتهاد:
إنّ مَن يتخصّص في علم واحد ويستفرغ له كلَّ وسعه وجهده يبلغ أعلى الدرجات فيه
ويتفوَّق غالباً على مَن كان ذلك العلم أحد اهتماماته، والأخلاق تحتاج إلى التفرّغ
والجدّ والمثابرة من أجل بلوغ المراتب العالية فيها.. فالمستوى الذي يبلغه الأخلاقي
ـ وطالب العلم الدينيّ خاصة ـ يؤثّر في أداء دوره في المجتمع. فقوله وفعله وسيرته
وتاريخه يشجِّع الناس نحو الفضائل الأخلاقيّة والاجتناب عن رذائلها إذا كان هو من
أهل الفضيلة، ولكن إن كان عكس ذلك فسيدفع الآخرين إلى العكس أيضاً.
فلا ينبغي لطالب العلم أن يفعل المكروهات بدعوى أنّ كلَّ مكروه جائز الفعل، ولا
يترك المستحبّات بدعوى أنّ كلّ مستحبّ جائز الترك؛ لأنّ ذلك سيكون سبباً في تساهل
العامي حتى في الواجبات والمحرّمات.
أمّا إذا عمل طالب العلم بالفضائل أي ترَك المكروهات وأتى بالمستحبّات، ولم يتوقّف
عند مستوى التقيّد بالواجبات والمحرّمات فقط، فهذا يوجب أن تكون العامّة عدولاً أي
ملتزمين بالحدود الشرعية بأجمعها.
ولا ينبغي لطالب العلم الديني: أن يقول إنّ حسن الخُلق جيّد ولكنه ليس بواجب فلماذا
ألتزم به؟ أو إنّ سوء الخُلق في حدود منه مكروه، فلماذا ألتزم بتركه؟ والصلاة في
أوّل الوقت فضيلة ولكنه ليس بواجب فلا يخلّ بعدالتي لو تسامحتُ به، وهكذا، ويقرأ
لنفسه: «إنّ أتقى الناس مَن عمل بالواجبات».
فلو توقّف العالِم أو طالب العلم عند هذا الحدّ فإنّ الوسط الذي يعيش فيه والأشخاص
الذين يشهدون سيرته لا يتوقّفون عند ذلك الحدّ، لأنهم دونه بدرجة، وليست تلك الدرجة
هنا إلا التورّط بالمعاصي وترك الواجبات؛ لأنّ العامي إذا رأى قدوته يصلّي صلاة
الصبح قبيل طلوع الشمس بلحظات مثلاً، فسيستهين هو بالواجب نفسه، وإذا رآه يفعل
مكروهاً فإنه سيتهاون بالحرام! ولسان حاله يقول: هذا رجل عالِم أو سيّد فاضل وهو
يفعل كذا أو يترك كذا، فماذا يُنتظر مني؛ وأنا شخص عادي!
أمّا لو تورّط المتلبّس بلباس أهل العلم بترك الواجب أو فعل المحرّم، كما لو قتل
إنساناً ظلماً أو اغتاب أو اتّهم مؤمناً، فإنّ عامّة الناس سيكفرون حينئذٍ.
إذاً على طالب العلم أن يولي الالتزام بالفضائل والأخلاق عناية خاصّة لأنّه كلّما
ارتفع مستواه فيهما ارتفع مستوى التزام الناس بهما بالتبع.
وهذا أحد الفروق التي تميّز الأخلاق عن سائر العلوم والفنون كالفقه والأصول
والبلاغة والفلسفة والخطابة وغيرها.
2- صعوبة الرُّقي:
الفرق الآخر بين الأخلاق والعلوم الأخرى يكمن في صعوبته قياساً بها، فالرقيّ في
الأخلاق أصعب منه في العلوم الأخرى.. فهو أصعب حتى من الفقه الذي يُعدّ من أصعب
العلوم؛ لسعة آفاقه وكثرة مسائله.
وإنّ من جملة ما جعل بلوغ مرتبة الاجتهاد الفقهي صعب المنال كون النتيجة فيه لا
تحصل بسرعة، قياساً بالفنون الأخرى، فإنّ الدراسة والتفرّغ والتركيز لمدّة سنتين قد
تكفي لأن يصبح الشخص المستعدّ خطيباً يرتقي المنبر ويستمع إليه الألوف من الناس..
(وكذا الوكلاء والعلماء،لا يحتاجون لزيادة مؤونة).
أمّا إذا أردت أن تصير فقيهاً فإنّ ذلك يتطلّب منك دراسة متواصلة لمدّة عشرين عاماً
وربّما ثلاثين عاماً، لا لكي تلمس النتائج بل لتواجه المشاكل أوّلاً.. وهذا يتطلب ـ
حقّاً ـ شخصاً لا طمع له في أيّ نفع أبداً، بل يثابر على الدرس ولا ييأس.. ومن هنا
كان الاجتهاد في الفقه عملاً بالغ الصعوبة.
الأخلاق هي الأصعب:
إلا أنّ الأخلاق أصعب من الفقه لأنّ الأخلاق تعني تهذيب النفس وبناءها، وقد قال
بعض الكبار: «من السهل أن يصبح المرء مجتهداً ولكن من الصعب أن يصير إنساناً».
وبعضهم، قال: «بل من المستحيل»، ولا شكّ أنّ المقصود بالاستحالة هنا ليس
الاستحالة العقلية بل كون القضية بالغة الصعوبة.
إنّ الارتقاء في الأخلاق والفضائل أصعب من الاجتهاد في الفقه؛ وإنّ ثمرته ونتيجته
أبعد منالاً وأعسر حصولاً من الفقه.. فلا يلمس المرء نتيجة سعيه إلاّ عندما يصبح ذا
قلب سليم وتصبح الأخلاق، والفضائل ملكات لديه، عندها يشعر بلذّة الأخلاق والوصول
إلى مراتبها العالية، وعندها يعرف قيمة ترويض النفس ومخالفة الشهوات.
ولا تصبح الأخلاق ملَكة عند الشخص إلاّ بعد أن يحارب نفسه ويخالفها، ويستمرّ في
مخالفتها حتى تنمو عنده ملَكة حبّ الخير في كلّ أبعاده.. فإذا حصل على الملَكة شعر
باللذّة وبدأ يلمس نتيجة أتعابه في مجال الأخلاق والفضائل.. وهذا لا يحصل بصورة
سريعة بل هو بحاجة إلى وقت بطول عمر الفرد؛ لذلك أصبح الارتقاء في مدارج الأخلاق
صعباً بل أصعب من الاجتهاد في الفقه.. وخير دليل على ذلك، ما نلمسه في الواقع
الخارجي، حيثُ ترى أنّ عدد مَن بلغوا مرتبة الإنسان المتّزن أندر من عدد المجتهدين.
فالتحلّي بالأخلاق أمر صعب وروّاده قليلون.. وإلاّ فمَن من الناس لا يحبّ أن يصبح
ذا فضائل، ولكن صعوبة الطريق وطول أمده في الوصول إلى النتيجة المرجوّة تصرفهم عن
الاستمرار في المواصلة، لأنّ الإنسان بطبعه يتعجّل النتائج.
ولا نقصد بصعوبة الأخلاق صعوبة تلقّي دروسها كمطالعة كتاب (جامع السعادات)، أو
إلقاء المحاضرات الأخلاقية أو الاستماع إليها.. فهذه تمثّل علم الأخلاق.. إنّما
المقصود صعوبة العمل.
كما لا يعني أن ينصرف المرء عن الأخلاق لصعوبتها، وإنّما يلزم أن يهتمّ بها أكثر،
لأنّ الطالب إذا استسهل الأخلاق وتهاون بها، لا يستطيع مواصلة الشوط؛ لما سيواجه من
صعوبات.. فإنّنا ننبّه في البداية على الصعوبات وطول الطريق ليأخذ الطالب أهبته
ويستعدّ ويشمّر عن ساعد الجدّ ويحسب للأمر حسابه؛ فإنّ نتيجة الأخلاق لا تُلمس
بسرعة، ولذّة الإحساس بالسموّ الروحي لا تحصل إلاّ بعد عناء وصمود.. وهذا من
الفوارق التي تميّز الأخلاق عن العلوم والفنون الأخرى.
3- التثبيط وغياب التشجيع:
من الفوارق الأخرى بين الأخلاق والعلوم الأخرى أنّ الإنسان جُبل على حبّ
التشجيع، وبه يتقدّم في مختلف مجالات الحياة، ولكن مَن يسلك طريق الرقيّ في الأخلاق
عليه أن لا يترقّب التشجيع، بل ليتوقّع التثبيط أيضاً.. فهذا حال المجتمع في
الغالب.
فطالب العلم قد يعكف على مادّة درسه عدّة ساعات فيتقنها، ثم يأتي في اليوم التالي
ليجيب على أسئلة أستاذه، فيعرف الأستاذ حينها ومن خلال الإجابة، أنّ هذا الطالب قد
طالع درسه بدقّة حتى استوعبه، فيشجّعه بالقول: أحسنت، اِستمرَّ على هذا المنوال،
وكلّما حصل لديك سؤال فاطرحه للمناقشة.. وهكذا يستمرّ الطالب بالتشجيع حتى يتفوّق،
ثم يقوم بتدريس المادّة نفسها بعد أن يبلغ فيها المستوى المطلوب.
أمّا في الأخلاق والالتزام بالفضائل فالأمر مختلف تماماً، لأنّ معظم الناس يثبّطون
المرء ولا يشجّعونه في الاستمرار.. فمثلاً، لو حدث شجار بينك وبين أحد أرحامك،
وأردت أن تضغط على نفسك لتصله، وقرّرت أن تزوره لتسدل الستار على ما حدث بينكما،
فإنّ معظم الناس قد لا يشجّعونك ويضعون أمامك مختلف الأعذار والعراقيل.
وهنا يطرح سماحته مسألة بغاية الأهمية، وهي: لماذا كان عدد طلاب العلوم الدينية
أقلّ جدّاً بالنسبة إلى عدد طلاّب العلوم الحديثة؟ هل لأنّ الأمّة لا تحتاج إلى
مرشدين أكثر من العدد الموجود؟!
إنّ السبب هو أنّ التشجيع نحو طلب العلم الديني أقلّ من التشجيع نحو طلب العلوم
الحديثة.. فلو أراد أب إرسال ولده الى الحوزة لتلقّي العلوم الدينية فإنّ أغلب
أفراد العائلة والأقارب سيعارضون أو يبدون عدم ارتياحهم، وربما نجحوا في ثنيه عن
قراره، ولكن لو انصرف الابن إلى التحصيل في المدارس الحديثة وأراد أن يتعلّم إحدى
المهن مثلاً، فإنّ جلّ أفراد العائلة والأقرباء يشجّعونه ويقولون أنّ من الضروري
ذلك لكي يتخرّج مهندساً أو طبيباً وما أشبه. وهذا يدلّ على أن التشجيع نحو المدارس
الحديثة موجود، خلافاً للمدارس الدينية حيث تنتظر التثبيط أكثر من التشجيع! ناهيك
عن الضمانات الاجتماعية التي تمنحها الدولة لموظّفيها وتشجيعهم بمختلف الأنحاء.
هذا هو واقع الحال بالنسبة للأمور الأخلاقية.. فلو نوى الإنسان أن يصبر أو يصدق أو
يفي بالوعد في الموارد التي تتزاحم مع مصالحه الشخصية، وتتعارض مع أهواء الناس
وميولهم غير المشروعة، فإنّ معظمهم يحاولون ثنيه؛ ولذلك يحتاج الالتزام بالأخلاق
والفضائل والرقيّ فيهما إلى تقوى وصبر وصمود وتركيز ومثابرة.
4- التمويه ومحاولة الإيقاع في الشبهات:
فرق آخر بين الأخلاق وغيره ـ إضافة لما تقدم ـ هو مزاحمة الشبهات وانقلاب كثير
من الفضائل رذائل، وهذا ما يستغلّه المثبّطون عادة للتمويه على من يريد التحلّي
بإحدى الفضائل.. فمثلاً الصبر فضيلة ولكن قد يُقلب إلى ذلّ، والذلّ رذيلة.. فإذا
عزم المرء على الصبر في موقف ما وكان صحيحاً وفي موضعه، قد يجد من يقول له: صحيحٌ
أنّ الصبر حسنٌ ولكن هذا ليس موضعه، بل هذا ذلّ منك، وربّما ذكر له الحديث المرويّ
عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أموره
كلّها، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً».
حقّاً هذا هو الفخّ الذي هلك فيه خلق كثير.
مثال آخر: الكرم خلق محمود.. ولكن ما أكثر الحالات التي يقوم المرء فيها بعمل كريم
وفي موضعه، ولكن يرى كثيرين يصوّرونه له من الإسراف والتبذير الممقوت..
وهكذا الحال لو أراد الإنسان الإيثار أو التحلّي بأيّ خُلق من الأخلاق الحميدة،
ربّما لا يدَعه مَنْ حوله حتى يشتبه عليه الأمر.. وهذا الفرق يختلف عن السابق لأنّه
كان تثبيطاً مجرّداً، أمّا هذا فتمويه أيضاً.
وهنا يكمن منشأ كثير من البدع الموجودة، وما نشهده من صراعات بين المؤمنين، فهل
تظنّون أنّ أطراف الصراعات كلّهم يعلمون ما يعملون، ويعلمون أنّه عصيان؟! كلاّ، بل
كثير منهم يزيَّن له أسلوبه ويتصوّر أنّه على حقّ.
قيل: إنّ شخصاً كان يقول: أنا أتجاوز عن كلّ من يغتابني إلاّ الذي يفسّقني أوّلاً
ثم يغتابني، فإنّي لا أتجاوز عنه.
فبعض الناس لو قلت له: لماذا تغتاب، أجابك: ماذا نفعل وقد اعتدنا على ذلك، ثم
يستغفر الله تعالى.. ولكن بعضاً آخر قد يدّعي أنّ هذا من مستثنيات الغيبة، وأنّ
الشخص الذي يغتابه فاسق متجاهر بالفسق وأنّه من الذين تجوز غيبتهم ليحذر الناس منه،
أو يصوّر لك الرجل الذي يغتابه مبتدعاً ـ من دون قرينة أو دليل ـ ثم يأتيك بحديث «باهتوهم
كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلّموا من بدعهم...»،
ليدعم به غيبته.
وبالنتيجة: هذه بعض الفوارق بين الأخلاق وبين العلوم الأخرى، ولكي نجنّب
أنفسنا من الوقوع في الشبهات نحتاج مع السعي، التوسل إلى الله تعالى والاستمداد
منه.. ومن دون العون الإلهي وحفظه وعصمته، لا نستطيع أن نعمل شيئاً ولا أن نصل إلى
نتيجة.
وينبغي أيضاً أن نركّز على الأخلاق حتى نصبح كذي الفنّ الواحد، لنحصل على ملَكة
الفضائل، والقلب السليم، فإنّه الاستثناء الوحيد النافع في الآية المباركة: {يَوْمَ
لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}،
فبهذا القلب السليم نستطيع تخطّي تثبيط الناس وتمويه النفس الأمّارة بالسوء.
فمتى أيقنّا أنّ طريق الأخلاق صعب وشائك وأنّه بحاجة إلى صبر واستمداد من الله قبل
ذلك كلّه، وأنّ علينا أن نحذر الانزلاق دوماً، فلنعلم حينئذ أنّنا قد بدأنا بسلوك
الطريق، وأنّنا سوف نصل بالتوكل على الله تعالى إلى الغاية المتوخّاة من بعثة
الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، حيث قال: «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق».
وعلى هذا فالسيد الإمام في دروسه وتوجيهاته لطلاب العلوم الشرعية يوجّههم لعلم
الأخلاق، والعمل بهذا العلم حتى يتحوّل إلى ملكة فيهم وكل بحسب طاقته وقدرته
النفسية، وحجر الأساس في المسألة هي أمران اثنان، هما: «معرفة الله وطاعته..
ومعرفة النفس وعصيانها».. و«إذا لم يكن الإنسان يرى الله وينكر ذاته تراه
يسحق أحكام الله ولا يبالي، ويولي ظهره لله ولأنبيائه ويتخذ نفسه إلهاً من دون الله»..
فيعبد نفسه وشيطانها والعياذ بالله.
وهنا يقرّر سماحته هذه الحقيقة بأجمل وأبلغ الكلام، فيقول: «معرفة الله والقيام
له ونكران الذات أساس كل فضيلة».
وسماحة السيد الإمام واقعي جداً ولا ينظر طوباوياً لطلابه وأحبابه، وهو أعرف الناس
بطبيعة الإنسان وقوة الضغوط عليه فالمصائب والمعاصي والرذائل وجميع أنواع وأشكال
الفسق والفجور والمعصية تمطر عليه من كلّ حدب وصوب، أو تنبع له من كلّ خط ونت..
ولكن «لكل إنسان نقاط ضعف يعرفها هو، فإذا برزت عنده وأرادت أن ترديه فليتذكر
أنّ الله موجود هناك، عند تلك النقطة، وليركز على هذا الأمر، ويكرّر هذا التذكر،
ليصلح باطنه شيئاً فشيئاً..»، وذلك «لأنّ المعاصي لا تصدر إلا عن نفس خبيثة
أو غير مسيطرة عليها، فصاحبها عبد لشهواته وليس سيّدها، ومن الطبيعي أن مثل هذا
الإنسان لا يتمكن من الإتصاف بالصفات التي من شأنها أن تورده الجنة».
فالنفس خيل شموس كما في بعض الأقوال الحكيمة لأئمة المسلمين، ولكنها تحتاج إلى ضبط،
وضبطها يحتاج إلى همَّة عالية، وتمرين، ورياضة.. فالسيطرة على النفس أمر صعب لا
ينبغي الإستهانة به.. ولا يمكن للنفس أن تستقيم بسهولة وبسرعة من دون حاجة إلى
ترويض مقدمات، بل هي بحاجة إلى رياضة مستمرة.
ثم يقول سماحته: إذا كان تغيير النفس من الواجبات العينية بالنسبة لنا، فهذا
يعني أنّ على الإنسان أن يمهد السبل والأساليب التي تجعله لا يعصي الله تعالى، وهذا
أمر لا ينبغي الإستهانة به، بل لا بدّ له من مقدمات وتمهيدات وزمن ورياضة.. ورياضة
النفس أصعب من رياضة البدن، لأنّ في الأخيرة إذا وجد المقتضي، كالجسم المستعد، فلا
توجد موانع كتلك التي توجد في رياضة النفس وهي موانع قوية جداً من قبيل قول الشاعر:
نفسي وشيطاني ودنياي والهوى
كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟
فهذه الموانع جميعاً تواجهنا وهي تتطلب همَّة قوية للتغلب عليها، ولكن «الزمام
بأيدينا نحن، وليس بأيدي غيرنا، فكل واحد منا زمام نفسه بيده»، والإنسان الذي
يملك زمام نفسه عليه أن يقودها إلى ما فيه صلاحها، في الدنيا والآخرة.
وأخيراً: «ولنعرف أنّ الله تعالى ينظر إلى قلوبنا، وأنه بمقدار لياقتنا
يعطينا توفيقاً وقابلية وسعادة، إذ ليس من الحكمة ـ والله أحكم الحاكمين ـ أن يعطي
إنساناً فوق لياقته واستحقاقه».
فالملاحظ من كلمات سماحة السيد الإمام قدّس سرّه الشريف والمرجع الكبير السيد صادق
الشيرازي دامَ ظِلُّهُ بهذه المقتطفات ـ وهي كثيرة جداً في محاضراته القيمة ـ أنه
يحاول صياغة الإنسان المؤمن المتلبس بلباس رجال الدين من طلاب العلوم الشرعية
ليواجه بهم المجتمع الذي نخرته المفاسد، وانتشرت به المعاصي، وغاب عنه التوفيق،
وتسلّط علينا من لا يرحمنا من اليهود وأحفاد الذين مُسخوا قردة وخنازير.
فبذرة الصلاح التي بذرها سماحته في طلابه كانت بذرة صلاح لأسرهم، ومن ثمّ للمجتمع
الذي هم فيه، وهذه خطوات لصلاح الأمة، وعندما تصلح أمتنا سوف تصلح كل الأمم، ونسود
الأرض برمتها، ونصنع حضارة الإنسان التي يحلم بها منذ فجر التاريخ إلى أيامنا، وهذه
التباشير تلوح في الأفق فهل نكون فيها من أهل الصلاح والتقوى؟ أرجو ذلك..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
انتهى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مجلة المرشد الدورية: العددان: 23و24/ 1431 للهجرة ـ
2010 للميلاد.
** دمشق/ القابون/ مسجد الإمام الحسين صلوات الله عليه. |