مستثنيات خمس الغنيمةبسم الله الرحمن الرحيمسماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته مستثنيات خمس الغنيمة
مضى الكلام في حلقة سابقة حول شمول خمس الغنيمة للغنائم المنقولة وغير المنقولة،
ووعدنا أن ننتقل منها إلى ما يليها من الموضوعات الأخرى، وقد حان الوقت للوفاء بذلك
والحمد لله رب العالمين. خمس الغنيمة ومستثنياتهابعد أن أبدى صاحب العروة نظره في وجوب خمس الغنمية وعموم الوجوب في المنقول وغير المنقول من غنائم دار الحرب، بدأ بذكر ما يستثنى منها من وجوب الخمس، وهي: أمور عديدة بدأها بالنفقات التي تنفق على الغنائم من أجل حفظها وصونها وحملها ونقلها، وذلك من زمان حصولها إلى زمان إخراج خمسها وتقسيمها بين المقاتلين، فإن كل النفقات التي تنفق في هذا المجال، والمصاريف التي تصرف في هذا الطريق مستثناة من وجوب الخمس، يعني: أنها تؤخذ من نفس الغنائم وتخرج منها أولاً، ثم يكون الخمس في الباقي منها. المؤونة والمؤنقبل التوغل في البحث والتوسع في حكم المسألة، لا بأس بالتعرّض لمعنى كلمة (المؤن)، فهي جمع (المؤونة) على وزن (فعولة) من مانهم يمونهم، أي: يتكلف مؤونتهم ويتحمّلها، وتأتي المؤونة بمعنى القوت، وبمعنى التعب والشدّة، وبمعنى الخرج والعدل وذلك بحسب اللغة واللغويين، ولكن المقصود بها هاهنا هو: ما يصرف من الأموال وما ينفق من النفقات في سبيل حفظ الغنائم، أو يبذل في طريق رعايتها وكلاءتها بما فيها من أسرى، أو أنعام، أو خيل وغير ذلك. مستثنيات سبعةهناك سبعة أشياء لم تكن لتقسّم بين المقاتلين، وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام
في أن هذه الأشياء السبعة هل تخرج من الغنائم أولاً ثم يخمّس الباقي، أم يخرج الخمس
من الغنائم أولاً ثم تخرج هذه الأشياء السبعة بعد ذلك؟ اختلف الأصحاب في ذلك مع
علمهم بأن بين القولين في النتيجة فرقاً كبيراً من حيث مقدار الخمس و مبلغه. أقوال المسألةنعم. لقد انقسم قول الأصحاب في المسألة إلى قولين: فبين من يوجب إخراج خمس الغنيمة أولاً ثم إخراج المستثنيات، وبين من يوجب إخراج المستثنيات أولاً، ثم تقسيم ما بقي إلى خمسة أقسام وأخذ واحد منها بعنوان الخمس. القول المشهورأما الذي تسالم عليه معظم الأصحاب قبل صاحب العروة وبعده من المتقدّمين والمتأخرين، فهو ما جاء في تعبير صاحب العروة: (بعد إخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة) وقد تتبعت المعلّقين على العروة فلم أجد فيما بين الثلاثين والأربعين معلّقاً إلاّ واحداً علّق هنا بقوله: (محل إشكال) وهو آية الله العظمى السيد أحمد الخونسارى قدس سره، وقد انفرد بالإشكال هنا، ولم يوافقه أحد لا من المتقدّمين ولا من المعاصرين إلاّ الشيخ الطوسى قدّس سره في كتاب الخلاف، والشهيدين قدّس سرّهما في بعض كتبهما، لكنهم على ما قيل لم يقولوا بذلك في كتبهم الأخرى، مما يكشف عن عدم التزامهم بما أشكلوا فيه وأوردوا عليه. مفاد الروايات الشريفةوالمستفاد من الأخبار، بل صراحتها إخراج المستثنيات في الجملة أولاً، ثم إخراج
الخمس، ففي موسوعة الفقه في الجزء الثالث والثلاثين نقل أخباراً في هذا المجال عن
الوسائل نذكر اثنين منها: مرسلة حمادثانياً: مرسلة حماد، وهي: عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح سلام الله عليه في حديث قال: وللإمام صفو المال، أن يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة، والدابّة الفارهة، والثوب والمتاع بما يحبّ ويشتهي، فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس، وله أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك فإن بقي بعد ذلك شيء أخرج الخمس منه فقسّمه في أهله، وقسّم الباقي علي من ولى ذلك، وإن لم يبق بعد سدّ النوائب شيء، لا شيء لهم ـ الوسائل: الخمس، الباب الاول من أبواب الأنفال، ح 4 ـ. نقطة درائيةثم إن حماد بن عيسى هو من أصحاب الإجماع، وينبغي أن نحسم الكلام في أصحاب الإجماع، لانحصار بعض روايات الأحكام بنقلهم، وهي عشرات الروايات وفيها أحكام مهمة وحيوية ذكرهم الكشي في ثلاثة مواضع في كل موضع ستة أشخاص بما يكون مجموعهم ثمانية عشر شخصاً، فقال في مكان: بأن هناك ستة أشخاص من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله سلام الله عليهما وفي مكان ثان قال: ستة أشخاص من أصحاب أبي عبد الله سلام الله عليه، وفي مكان ثالث قال: ستة أشخاص من أصحاب أبي الحسن الكاظم وأبي الحسن الرضا سلام الله عليهما فيكون مجموعهم ثمانية عشر شخصاً، قال: (أجمعت العصابة - أي: الشيعة والمراد منهم فقهاء الشيعة - على تصحيح ما يصح عن هؤلاء)، ولا إشكال في اعتبار ما ينقله الكشي من توثيق وتصحيح وإنما قلنا: لا إشكال ولم نقل: لاخلاف، لأن هناك مثل الشيخ الأنصارى قدس سره قد خالف في ذلك وإن كان يقول في النتيجه بقبوله، لكن من باب الإنسداد وبالعنوان الثانوي يقول بذلك. وأما بالعنوان الأولي ومن باب الإنفتاح، فإن الشيخ لا يقول بكفاية توثيق العدل الواحد، أو الثقة الواحد، بينما المشهور يقولون بكفاية ذلك في التوثيقات الحسية وهو القدر المتيقن من التوثيقات، وذلك بالعنوان الأولي ومن باب الإنفتاح. تعديل الكشي وتوثيقهوعليه: فلو أن عدلاً واحداً، أوثقة واحداً عدل أحداً أو وثّقه، سُمع منه وقُبل
عنه، والكشي ثقة وخبير في علم الرجال أيضاً ومنسوب إلى منطقة (كش) وهي منطقة بأطراف
بغداد في العراق، وقيل هي منطقة في أفغانستان أيضاً، ولم أتحقق أنه من أي
المنطقتين. أقوال في المسألةاختلف الأصحاب في المقصود من ذلك وانقسمت أقوالهم إلى ثلاثة: مناقشة القول الثالثأشكل على قول المشهور بإشكالات عمدتها إشكالان: الأول: استبعاد كون الكشي قد
تتبع كل شيوخ هؤلاء الثمانية عشر شخصاً، بل قد تتبع روايات كل الشيعة ورأى أنهم
يصحّحون ما صحّ عن هؤلاء، لأن ظاهر كلامه هذا يستدعى أنه قد تتبع كل أخبار الطائفة
حتى توصل إلى هذه النتيجة وهي: أنهم يصحّحون ما صحّ عن هؤلاء، وهذا مستبعد جداً. استنتاجإذن: فمرسلة حماد معتبرة سنداً، وصريحة دلالة، وهي تكفينا دليلاً على أن الخمس في الغنيمة يكون بعد إخراج المستثنيات في الجملة والتي منها المؤن. |